الصفحة 86 من 93

وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة , فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم , وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم , وإن قيس شجاعتهم وقتالهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا , وإذا قيس سخاؤهم وبذلهم وسماحة أنفسهم بغيرهم تبين أنهم أسخى وأكرم من غيرهم , وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها , وهو الذي أمرهم بها , لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله , كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة , فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة وبعضها من الزبور وبعضها من النبوات وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده كالحواريين ومن بعد الحواريين , وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا لما غيروا دين المسيح في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح. وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فلم يكونوا قبله يقرءون كتابا , بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته , فهو الذي أمرهم أن يومنوا بجميع الأنبياء ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله فقال: {قولوا آمنا بالله} [سورة البقرة: الآية 136] و {آمن الرسول} [سورة البقرة: الآية 285] إلى آخرها. وأمته لا يستحلون أن يأخذوا شيئا من الدين من غير ما جاء به , ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان , ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله , لكن ما قصه الله عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم اعتبروا به , وما حدثهم به أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه , وما لم يعلموا صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه , وما عرفوا أنه باطل كذبوه , ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس أو اليونان أو غيرهم كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت