كما وهبه الله ملكه فريدة في الإلقاء، جذبت إليه أنظار الناس من كل مكان، إذ كانوا يتوافدون إليه للاستماع منه، وقد صاحب ذلك حسن صوت ومنطق يجعل سامعه لا يمل حديثه؛ لاسترساله في الحديث، وتخيره للبراهين العقلية والقصص الواقعية، وتلك مزايا يندر وجودها في خاصة الناس؛ فضلًا عامتهم.
وقد كان رحمه الله: وثيق الصلة، حسن المعاشرة، متوددًا إلى جلسائه من مشايخ وأقران وطلاب، إذا جلست عنده؛ لا تفرق في حلقته بين كبير وصغير، لسمو الأخلاق وكريم السجايا ( [23] ) .
وإليك تفصيل أخلاقه فيما يأتي:
زهده:
إذا أردنا أن نعرف حقيقة الزهد عند المترجم له؛ حسن أن نذكر هنا طرفًا من (منظومته في السير إلى الله) ، ونشير إلى بعض تعليقاته عليها.
قال رحمه الله:
يترقبون إلى المليك بفعلهم *** طاعاته والترك للعصيان
فعل الفرائض والنوافل دأبهم *** مع رؤية التقصير والنقصان
صبروا النفوس على المكاره كلها *** شوقًا إلى ما فيه من إحسان
نزلوا بمنزلة الرضى فهم بها *** قد أصبحوا في جنة وأمان
شكروا الذي أولى الخلائق فضله *** بالقلب والأقوال والأركان
صحبوا التوكل في جميع أمورهم *** مع بذل جهد في رضى الرحمن
نصحوا الخليقة في رضى محبوبهم *** بالعلم والإرشاد والإحسان
صحبوا الخلائق بالجسوم وإنما *** أرواحهم في منزل فوقاني
عزفوا القلوب عن الشواغل كلها *** قد فرغوها من سوى الرحمن
حركاتهم وهمومهم وعزومهم *** لله لا للخلق والشيطان
نعم الرفيق لطالب السبل التي *** تقضي إلى الخيرات والإحسان
هذه أوصاف السائرين إلى الله، الذين يحرص الشيخ على صحبتهم والسير معهم.