الفرصة كي يدعو بسرية ويربي على مهل، حتى إذا لقي الغلام وجد فيه بغيته، ومن يدري فلعله دعا غير واحد قبله لكن كان الغلام هو الأبرز؟ ليس سهلًا الترجيح، لكن ما سنراه من حكمة الراهب وإخلاصه وحسن تربيته للغلام يجعل النفس تميل للرأي الثاني، سيما واختيار الراهب صومعته في طريق الناس، بين المدينة"وقلعة"الساحر، حيث يمكن أن يمر العامة والخاصة، يوحي بأنه لم يكن يقصد العزلة التامة بل كان ينتظر ليتخير، ولو كان قصد مجرد العزلة والهرب بدينه لابتعد عن طريق الناس.
إن هذا الراهب ذو شخصية أليفة محببة؛ إذ سرعان ما قعد إليه الغلام، وذاك شرط أساس للدعاة، أنهم يألفون ويؤلفون، وهم يحبون الناس وبالتالي يحبهم الناس، وسيأتي في القصة ما يؤكد شدة التصاق الغلام بالراهب، وثقته به ورجوعه إليه في أموره ومشاكله وكل ما يستجدّ عنده.
(فسمع كلامه فأعجبه) إن عبارة (كلامه) تشير إلى أن للراهب كلامًا آخر مختلفًا عما يسمعه الغلام من الساحر، وعما يعايشه في محيطه الاجتماعي ... (كلامه) : إنه الكلام المقابل لكلام الساحر، إذ المفترض أن الساحر يهيء الغلام لمواجهة الدين الحق الذي سيظهر أن الراهب ينتمي إليه، (فأعجبه) أي أدهشه فيه جدته وغرابته وحسنه، فأين كل الدعوات والأديان مهما بولغ في تزيينها وتزييفها، من دعوة التوحيد ودين الحق؟! إنه سرعان ما يؤدي عرض الدين إلى حالة من الانبهار والاندهاش والإعجاب الذي لا يملك سامعه إلا الإيمان والاستسلام.
ولذلك فقد رأينا موقف الوليد بن المغيرة حين سمع القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثله ما أخبرنا القرآن عن نفر من الجن الذين استمعوه: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا) ، ولذلك فإن الفراعنة يحرصون على ألا يُسمع لكلام الحق، فإذا بهم يتواصون: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) ، حتى إن أحد الشعراء وضع في أذنيه الكرسف كيلا يتأثر بعد تحذير قريش له، وقد اشتكى نوح قومه بأنهم، وحتى لا يتأثروا بكلامه: (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) ، فهم لم يكتفوا بإغلاق آذانهم كيلا يسمعوا الحق بل إنهم غطوا وجوههم بهدف تيئيسه من دعوتهم. وكيلا يتأثروا بمرأى الداعية حيث صدق الملامح وصفاء الوجه ونور الإيمان في وجهه مع لهجة الصدق الحاملة لكلمة الحق والخير والعدل، ولذلك عمدت الدولة الحديثة إلى إبعاد الدعاة عن مواطن التأثير في التعليم والوعظ والإعلام، ويكفي في ذلك منع المحجبات من الظهور على الشاشات، والتواجد في المدارس والجامعات، فضلًا عن تشويه صورة الدعاة بالشائعات حتى يبتعد عنهم الناس، لكن تتفاوت الأنظمة في ذلك لاعتبارات شتى.