أصحاب الأخدود ... عبر ودروس
طارق مصطفى حميدة
(فجئ بالغلام. فقال له الملك: أي بني! قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل. فقال: إني لا أشفي أحدا. إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب. فجئ بالراهب. فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فدعا بالمئشار. فوضع المئشار على مفرق رأسه. فشقه حتى وقع شقاه. ثم جئ بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فوضع المئشار في مفرق رأسه. فشقه به حتى وقع شقاه) :
أي بني ... هي الكلمة ذاتها التي قالها الراهب للغلام، لكن الراهب كان صادقًا مخلصًا في قوله بكل ما تعنيه تلك الكلمة من حب واستعداد وتقبل أن يكون هو وإياه على قدم المساواة، لا بل وأن يتفوق الغلام عليه، ثم ينبهه إلى ما سيلقاه من مخاطر الطريق وعقباتها، ومن قبل كان يتابعه ويوجهه.
أما الملك؛ فأول دليل على أنه غير صادق في مقالته مبادرته إلى تعذيب الغلام كي يكشف له من الذي علمه الإيمان ودله على طريق التوحيد.
إذن فهي كلمات تلطف وتحايل واستعطاف، ورجاء أن يقبل الغلام المساومة، ويجاري الملك بالقول إن ما يفعله وما يجريه الله على يديه كان سحرًا ولا علاقة له بالدين، فتمضي الأمور على الوجه الذي خطط له الملك الذي يتمنى من كل قلبه أن يكون الأمر على هذه الصورة، وفيها ربما حالة من الإنكار والدهشة أن يكون الغلام الذي يُعدُّ ليكون ساحر الملك، فإذا به الذي يحمل لواء التوحيد والإيمان ويكون هو الذي يدعو الناس ويقودهم إلى تحدي الملك بدلًا من تطويعهم وتعبيدهم له.
"الملك الطاغوت يقول: (أي بني) كلمة كلها مكر وخبث وضغط على نفس الغلام، وإغراء له بالقرب منه بما يتضمن هذا القرب من مستقبل زاهر وحياة مترفة، ويقول الملك: (قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل ما تفعل؟) وقد حاول الملك بهذه العبارة أن يسرق ما كسبه الغلام من تقدير في نفوس الناس بأن يعود بتفسير أعمال الغلام إلى السحر الذي تعلمه من ساحر الملك الذي أتى الملك إليه بالغلام، وهذا ما يصنعه الذين لايريدون"