وَإِنَّ الْأَوْرَعَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ خِلَافِهِمْ وَلَوْ ضَعِيفًا فَاسْتَبِنْ
وَمِنْ ذَلِكَ الْكَلْبُ: فَإِنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا بِالْكَرَاهَةِ.
وَلِتَحْرِيمِهِ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ فِي ذِي النَّابِ مِنَ السِّبَاعِ ; لِأَنَّ الْكَلْبَ سَبُعٌ ذُو نَابٍ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَكْلُهُ لَجَازَ بَيْعُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهِ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، مَقْرُونًا بِحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ:"ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ"، الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ الْآيَةَ [7 \ 157] .
فَإِنْ قِيلَ: مَا كَلُّ خَبِيثٍ يُحَرَّمُ ; لِمَا وَرَدَ فِي الثُّومِ أَنَّهُ خَبِيثٌ، وَفِي كَسْبِ الْحَجَّامِ أَنَّهُ خَبِيثٌ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِنَصٍّ أَنَّهُ خَبِيثٌ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَمَا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ يُخْرِجُ، وَيَبْقَى النَّصُّ حُجَّةً فِيمَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ، كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي جُلِّ عُمُومَاتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يَخْرُجُ مِنْهَا بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِمُخَصِّصٍ، وَتَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي"مَرَاقِي السُّعُودِ"بِقَوْلِهِ: [الرَّجَزُ]
وَهْوَ حُجَّةٌ لَدَى الْأَكْثَرِ إِنْ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيِّنًا يَبِنْ
فَإِنْ قِيلَ: تَحْرِيمُ الْخَبَائِثِ لِعِلَّةِ الْخُبْثِ، وَإِذَا وُجِدَ خَبِيثٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ كَانَ ذَلِكَ نَقْضًا فِي الْعِلَّةِ لَا تَخْصِيصًا لَهَا.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، لَا إِبْطَالٌ لَهَا، قَالَ فِي"مَرَاقِي السُّعُودِ": [الرَّجَزُ]
مِنْهَا وُجُودُ الْوَصْفِ دُونَ الْحُكْمِ سَمَّاهُ بِالنَّقْضِ وُعَاةُ الْعِلْمِ وَالْأَكْثَرُونَ عِنْدَهُمْ لَا يَقْدَحُ بَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ وَذَا مُصَحَّحُ
إِلَخْ. . . . كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلْبِ: مَا ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي تَحْرِيمِ اقْتِنَائِهِ، وَأَنَّ اقْتِنَاءَهُ يَنْقُصُ أَجْرَ مُقْتَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَوْ كَانَ أَكْلُهُ مُبَاحًا، لَكَانَ اقْتِنَاؤُهُ