فالمجاهدون ولاة هذا البلد وأمراؤه، يطاعون في طاعة الله ويعصون في معصية الله من غير نزع يد عن طاعة قال عليه السلام كما في الصحيح: « .. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة» « .. ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة» .
لأن أعمال وأحكام الإمارة قد تحقّقت فيهم إما بطاعة الناس لهم وإما بقهرهم وهو المقصود من الولايات الشرعية.
قال العلامة أبو محمد بن حزم رحمه الله: «والأعمال بعد الخلافة اثنا عشر عملا: أولها الصلاة، وقبض الزكاة، وتفريقها، وقبض الجزية، وتفريقها، وولاية الجيوش وتدبير الحروب، وأخذ المغانم وتخميسها وقسمتها، وما صار من المشركين إلى المسلمين وحكمه، وإقامة الحدود، والأقضية، والشرطة، والحسبة، والكتابة، والمحاسبة، والبريد، والاختزان، وإقامة الحج» . [1] .
ولا يخفى أن هذه الأعمال السلطانية قائمة بحمد الله في مناطق النفوذ إلا ما فُقِد من حياة المسلمين وواقعهم من أحقاب مما لا يعود إليهم ولا ينسبون فيه إلى التقصير.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «وجميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» .
فالخارج عليهم بغير شرطه يعتبر خارجا على نظام شرعي، ولا يجوز أن يقضى أمر عام من أعمال السلطان في مناطق النفوذ من غير علم واستئذانٍ، فمن سوّلت عليه نفسه ذلك فهو مخطئ.
وأما الخارج عن مناطق النفوذ فلا يجوز أن يقوم بما فيه توهين لأمرهم فإن ذلك معصية على الميزان الشرعي.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إماما حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصودُ الإمامة. فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماما. ولهذا قال أئمة السلف: من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصودَ الولاية فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ما لم يأمروا بمعصية الله. فالإمامة مُلْك وسلطان، والملك لا يصير ملكا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك. وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه. ولهذا لما بويع علي رضي الله عنه وصار معه شوكة صار إماما ولو كان جماعة في سفر فالسنة أن يؤمروا
(1) نقلا عن الشهب اللامعة في السياسة النافعة (ص 340 - 341) .