الصفحة 4 من 26

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الامين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإنه يحتدم النقاش بين العذرين بالجهل في الشرك الأكبر وبين المانعين له، فيبحث كل فريق ما يقوي جانيه من السنة النبوية والكتاب العزيز، وكانت قصة الاسرائيلي الذي أوصى بينه أن يحرقوا جثمانه بعد موته، من أشهر الأخبار التي تزجّ في خانة الأدلة الموجبة للإعذار، فنظرت في ذلك فأحببت عرض ما وصلت إليه فأقول:

اختلف الفقهاء في محمل هذا الحديث على مذاهب، ولأكثرها متعلَّق من بعض الروايات، والظاهر أن الاختلاف يعود معظمه إلى الاستدلال بالخبر المختصر، والرواية بالمعنى، وبالمشترك من الألفاظ، وبإسقاط شيء من الحديث لا يتم المعنى إلا به، وسيأتي بيان ذلك باختصار وبه يتبين وجه الخبر بإذن الله.

مخلص الروايات:

صاحب القصة رجل من بني إسرائيل، وكان نباشا يسرق الأكفان، مرتكبا للمعاصي حتى جمع من ذلك مالا، ولم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، فحضرته الوفاة، فأمر بنيه أن يحرقوه، ويطحنوه، ثم يذروه في يوم عاصف، وأخذ على ذلك منهم ميثاقا، قائلا: «لئن قدر عليّ رب العالمين ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين» ففعلوا به ذلك، فقال الله له: كن فكان في أسرع من طرفة العين،

فقال له عزّ وجلّ: ما حملك على النار؟ قال: يا رب ما فعلته إلا من خشيتك وأنت تعلم، فغفر الله له.

من أين تأتي الإشكالية؟

ظنّ بعض من لم يجمع طرق الخبر أن الرجل أنكر قدرة الله وعلمه الشامل، ومن ثمّ أوصي بنيه أن يفعلوا به ما أمر؛ لئلا يبعث فينجو من عذاب الله بهذا الصنيع!

وقبل الخوض في غمار الخلاف ينبغي تحرير وجه الإشكال باختصار.

يقول العلامة أبو محمد بن أبي جمرة الأندلسي (699 هـ) رحمه الله: «يقال: كيف فعل هذا لنفسه ما فعل، وظن أن ذلك منج له من الله عز وجل؟ فإن كان هذا الشخص غير مؤمن فليس تناله الرحمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت