ونجاتُنا ونجاتُك أيها العالمُ أو الداعيةُ إلى الله، لن تكونَ إلا إذا امتثلتَ أمرَ اللهِ في الآيةِ التي تلِيها: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
فمن يبينُ للناسِ إذا ترخَّصتُم؟ ومن يُرشدُهم إذا صمَّتُم؟! وكتمانُ العلمِ يا عبادَ الله هو عدمُ إنزالِ الكتابِ والسنةِ على الوجهِ الصحيحِ في النوازلِ التي يستوجبُ على العالمِ أو الفقيهِ أو الداعيةِ إنزالَ النصوصِ عليها.
وإننا لنجدُ في أنفسِنا قلقًا وخوفًا على علمائِنا وأئمتِنا ومشايخِنا أن يصيرَ بعضُهم إلى المحذورِ من مرادِ الطواغيتِ وأجهزةِ الأمن فلا يكتفون منهم بالصمتِ وكتمانِ الحقِ فقط، بل يستدرجوهم إلى خيانةِ أمانةِ هذا العلمِ وتحريفِ مرادِ اللهِ والكذبِ على الله، فيكونون -معاذَ اللهِ- على دربِ بلعام بن باعوراء، الذي قال اللهُ فيه وفي أمثالِهِ إلى قيامِ الساعة: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .
مشايخَنا الكرام، علماءَنا الفضلاء إن معركتَنا التي يخوضُها أبناؤكم المجاهدون بالقوةِ والسلاحِ لحسمِ الخلافِ بين الحقِ والباطل لا يمكن لها أن تستمرَّ، ولا أن يُكتبَ لها النجاحُ إلا بعطائِكم أنتم يا أهلَ العلمِ والعمل؛ وذلك بحشدِ أهلِ الحقِ في صفِ المجاهدين في سبيل الله، وصدِّ الناسِ عن الوقوفِ في صفِ الباطلِ وأهلِه ليهلِكِ من هلكَ عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} .
ولقد قال سفيانُ بن عيينة -رحمهُ الله-: سمعتُ أيوبَ يقول سمعتُ الحسنَ يقول:"ما رأيتُ فقيهًا قط يُداري ولا يُماري إنما ينشرُ حكمتَه، فإن قُبلت حمِدَ الله، وإن رُدَّت حمِدَ الله".
ولا أنسى في هذا المقام أن أتقدَّمَ بكلمةٍ إلى مشايخِنا وعلماءِنا المأسورين بسجونِ الطواغيت، فأقولُ لكم بكلِ إكبارٍ وإجلالٍ واحترام: لقد حطَّمتم كبرياءَ الطواغيتِ بثباتِكم وعزَّتِكم بدينِكم، فصرتم لنا مثالًا يُحتذي وقدوةً تُقتدى، فاصبروا وصابروا، واللهُ يعصمُكم ويثبتُكم، والأمةُ من ورائِكم تدعو لكم وتسعى في خلاصِكم، قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} .