يحمد الله ذاته الشريفة بعد ضربه لهذا المثل المقصود منه إبطال ما عليه المشركون من الشرك به، وذلك بنفي التساوي بينه تعالى وبين ما يشركون. وقد جاء الحمد بقوله {الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} .
وإنما حمد الله ذاته ـ في هذا المقام ـ لظهور البينة وقوّة الحجة على المشركين بهذا المثل المطابق للغرض والكاشف عن المقصود (1) .
وقيل ـ أيضًا ـ في مناسبة مجيء الحمد هنا: أي على ما هدى أولياءه وأنعم عليهم بالتوحيد، أو الحمد كله لله لا يستحقّه شيء من الأصنام؛ إذ تبيّن من المثل اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختصّ بالحمد وحده (2) .
وأرى أنّ المناسبة الأولى هي الأقوى، لِما أنّ المقام ـ ههنا ـ في ضرب المثل الذي يراد به إثبات الحجة على المشركين ونقض شركهم، ويؤيده ـ أيضًا ـ ما عُقِّب به الحمد بقوله {بل أكثرهم لا يعلمون} والمراد أي أكثرهم لا يعلمون قوة هذه الحجة وظهور البينة عليهم بهذا المثل مع أنها في غاية ظهورها ونهاية وضوحها. وإن كان القولان الآخران مرادين ومعتبرين والله أعلم بمراده.
لطيفتان:
الأولى: في حمد الله ذاته في هذا المقام إشارة إلى المؤمنين بأن يحمدوه سبحانه عند ظهور الحقّ وبيان حجّته وإلزام المعرضين به.
الثانية: في قوله تعالى {بل أكثرهم لايعلمون} أُسْنِد نفي العلم إلى أكثرهم للإشعار
(1) انظر: تفسير ابن كثير ج2 ص 578؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج20 ص85؛ محاسن التأويل للقاسمي ج10 ص 135.
(2) انظر: تفسير الطبري ج14 ص100؛ تفسير القرطبي ج10 ص 148؛ تفسير أبي السعود ج5 ص130؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج20 ص 85؛ التحرير والتنوير ج14 ص 226.