فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 244

إن فكرة تمثيل الأمة بواسطة نواب عنها فيما فيه صلاحها واستقامة أحوال الجماعة من أبنائها بواسطة أفراد ينوبون عنها مستقرة في الأذهان ولا يوجد في شرع الله ما يمنع من ذلك, بل إن ذلك مما يوجد له أساس وسند من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم, فهو من الأمور التي لا تستقيم الحياة دونها لما في ذلك من التيسير والتعاون على البر الذي أمر الله به في قوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [1] فقيام البعض من الناس برعاية مصالح الأمة وتدبير شؤونها نيابة عنها له ما يدل على مشروعيته ففي سورة براءة يقول الحق جل وعلا: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [2] وفي تفسيرها يقول الإمام القرطبي: إن المقصود بقوله تعالى (إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ) أنهم الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان المتولي للعقود وأصحابه رضوا ذلك فكأنهم عاقدوا وعاهدوا وانتسب العهد إليهم ... ولا يمكن غير ذلك فإن تحصيل الرضى من الجميع متعذر فإذا عقد الإمام لما يراه من المصلحة أمرًا لزم جميع الرعايا. [3]

وبهذه الآية تتأسس مشروعية التمثيل للأمة من القرآن الكريم [4] , بل أن جمع شعب بأكمله أو أمة بكل أفرادها في أمر التشريع والشورى وإدارة شؤونها العامة أمر لا يمكن دون نظام النيابة والتمثيل, إذ يستحيل من الناحية المادية جمع الأمة كلها في مكان واحد وحتى لو أننا افترضنا تحقق ذلك لاستحال الوصول إلى رأي واحد وقرار نهائي لسبب اختلاف الآراء وتباين الفهم في المسألة الواحدة.

(1) - الآية (2) من سورة المائدة.

(2) - الآية (1) من سورة التوبة.

(3) - القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن.

(4) - داود الباز في الشورى والديمقراطية النيابية ص 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت