فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 280

فَصْلٌ: الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدِّينَ إِذَا حَاربُوا وَمنعُوا الدَّار

قَالَ أَبُو يُوسُف: وَلَوْ أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ مَنَعُوا الدَّارَ وَحَارَبُوا سُبِيَ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأُجْبِرُوا عَلَى الإِسْلامِ كَمَا سَبَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَرَارِيَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.

وَكَمَا سَبَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ الله وَجه بني نَاجِية مُوَافَقَةً لأَبِي بَكْرٍ وَلا يُوضَعُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ.

وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقِتَالِ وَقَبْلَ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِمْ حَقَنُوا دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم وَامْتَنَعُوا مِنَ السِّبَاءِ.

وَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ؛ فَأَسْلَمُوا حَقَنُوا الدِّمَاءَ وَمَضَى فِيهِمْ حُكْمُ السِّبَاءِ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؛ فَأَمَّا الرِّجَالُ فَأَحْرَارٌ لَا يُسْتَرَقُّونَ.

وَقَدْ فَدَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَلَمْ يَكُونُوا رَقِيقًا، وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَلَمْ يَكُونَا رَقِيقًا وَلَم يَكُونَا مَوَالِيَ لِمَنْ حَقَنَ دِمَاءَهُمْ.

وَلَيْسَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَلا مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ سَبْيٌ وَلا جِزْيَةٌ إِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ أَوِ الإِسْلامُ فَظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى دَارِهِمْ سَبَى الذَّرَارِيَّ، وَقَتَلَ الرِّجَالَ وَقُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ عَلَى مَوَاضِعِ قِسْمَةِ الْخُمُسِ لِمَنْ سَمَّى الله فِي كِتَابِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهَذَا جَائِزٌ.

وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ السِّبَاءَ وَأَطْلَقَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ وَتَرَكَ الأَرْضَ وَأَمْوَالهمْ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ جَائِزٌ. وَأَرْضُهُمْ أَرْضُ عُشْرٍ لَا تُشْبِهُ أَرْضَ الْخَرَاجِ لأَنَّ حُكْمَ هَذَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْخَرَاجِ.

وَقَدْ ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِ دَارٍ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَتَرَكَهَا عَلَى حَالهَا، من ذَلِكَ الْبَحْرَانِ وَالْيَمَامَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بِلادِ غَطَفَانَ وَتَمِيمٍ.

وَأَمَّا مَا جَلَبُوا بِهِ فِي عَسْكَرِهِمْ؛ فَلَيْسَ يُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الَّذِينَ غَنِمُوهُ وَالْخُمُسُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ1.

وَغَنِيمَةُ الْعَسْكَرِ مُخَالِفَةٌ لِمَا أَفَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، وَالْحُكْمُ فِي هَذَا غَيْرُ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ، تِلْكَ غَنَائِمُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ سَوَاءٌ: الْخُمُسُ بَيْنَ مَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الَّذين قَاتلُوا عَلَيْهِ وغنموه.

1 رَاجع قَول الله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْفَال: 41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت