أو تنفقه في ضيعة عشت عيشًا صالحًا، وتخلصت من هذه الشدة وأحصل أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة، فإن رأيت هذا، فافعل.
فحملها إلى السوق، فكان أول من اعترضها فتىً هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للعب والتمتع، فاستامها، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عينًا. قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وأعطيت المال، ندمت واندفعت في بكاء عظيم، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة فلم يكن إلى ذلك سبيل، فأخذت الدنانير في الكيس لا أدري أين أذهب لأن بيتي موحش منها، ووقع علي من اللطم والبكاء ما هوّسني.
فدخلت مسجدًا، وجعلت أبكي وأفكر في ما أعمل، فغلبتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي، فانتبهت فزعًا، فإذا شاب قد أخذ الكيس، وهو يعدو، فقمت لأعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنب في وتد مضروب في أرض المسجد، فما تخلصت من ذلك حتى غاب الرجل عن عيني، فبكيت ولطمت ونالني أمر أشد من الأمر الأول، وقلت: فارقت من أحب لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيرًا ومفارقًا.
فجئت إلى دجلة، فلففت وجهي بإزار كان على رأسي، ولم أكن أحسن العوم، فرميت نفسي في الماء لأغرق، فظن الحاضرون أن ذلك لغلط وقع علي، فطرح قوم نفوسهم خلفي فأخرجوني، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم، فمن بين راحم ومستجهل إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: ما هذا؟ ذهب مالك فكان ماذا حتى تتلف نفسك، أو ما علمت أن فاعل هذا في نار جهنم! ولست أول من افتقر بعد غنى، فلا تفعل، وثق بالله تعالى. أين منزلك؟ قم معي إليه.
فما فارقني حملني إلى منزلي وأدخلني إليه، وما زال يؤنسني ويعظني إلى أن رأى مني السكون، فشكرته، وانصرف، فكدت أقتل نفسي