إنْ كُنتَ مُعتَصِمًا باللهِ تَخدمُهُ، ... فإنّ تَحلِيلَنَا في مُحكَمِ السُّوَرِ
فلما وصل إليه الكتاب قال: ما هذا؟ قالت: تقرأه، فأبى، فلم تزل تلطف به حتى فتحه، فقرأه، ثم رمى به إليها. فقالت: ما له جواب؟ قال: بلى! قالت: ما هو؟ قال: قولي لها: وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار.
فصارت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
فَرّجْ عن القلبِ بعضَ الهَمّ وَالكُرَبِ، ... وَجْدُ بوَصلِكَ، وَالهِجرانَ فاجتَنِبِ
إنّا سَألنَاكَ أمرًا مَا نُريدُ بِهِ ... إلاّ الصّلاحَ، وَأن نَلقاكَ عن قُرُبِ
فإنْ أجَبتَ إلى ما قَد سألتُ، فَقَدْ ... نِلتُ المُنى، وَالهَوَى، يا منتهَى أرَبي
وَإنْ كَرِهتَ وِصالي قلتُ: أكرَهُهُ، ... وَإنّني رَاجعٌ عن ذاكَ من كَثَبِ
قال: فجاءت بالكتاب إليه، فأخذه، وقال لها: اجلسي، ففتحه، وقرأه عن آخره، وكتب إليها كتابًا كان هذا الشعر آخره:
إنّي جَعَلتُ هُمُومي ثمّ أنفاسِي ... في الصّدرِ مِنّي وَلم يُظهِرْهُ قرْطاسِي
وَلم أكُنْ شاكيًا ما بي إلى أحدٍ ... إنّي إذًا لَقَليلُ العِلمِ بالنّاسِ
فاستَعصمِي اللهَ، مِمّا قَد بُلِيتِ بِهِ، ... وَاستَشعِرِي الصّبرَ، عمّا قلتُ، بالياسِ
إني عَنِ الحُبّ في شُغلٍ يُؤرّقُني ... تَذكَارُ ظُلمَةِ قَبرٍ فِيهِ أرْمَاسِي
فَفيهِ لي شُغُلٌ لا زِلتُ أذكرُهُ، ... منَ السّؤالِ وَمِنْ تَفرِيقِ أحلاسِي
وَلَيسَ يَنفَعُني فِيهِ سِوَى عَمَلي، ... هُوَ المُؤانسُ لي مِنْ بَينِ أنّاسِي