الشكل، فيحسّ الجزء السفلي تلك الحركة كما يحسّ بعض أجزاء الإنسان بحركات بعض، وذلك بمنزلة وتر واحد ممتد تحرّك أسفله فتحرك أعلاه، وربما حُركت بعض الأوتار فتحرك الوتر الآخر، كأنه أحسّ بحركة ذلك الوتر، فكذلك أجزاء العالم: ربما حرك المحرك بعض أجزائه، فيتحرك لتلك الحركة جزء آخر، كأنه يحسّ بحركة ذلك الجزْ، لأن أجزاء العالم كلها منظومة بنظامٍ واحد، كأنها حيوان واحد وانسان واحد، وربما حرّك الضارب العود فتتحرك أوتار العود الآخر لتلك الحركة، كذلك العالم الأعلى: ربما حرّك جزء من أجزاء هذا العالم مباينًا لصاحبه مفارقًا فيتحرك بحركته جزء آخر، وهذا يدلّ على أن بعض أجزاء العالم يحسّ بالآثار الواقعة على بعض أجزاء العالم - كما بيناه - قال: فكما أن بعض أجزاء الحيّ تحسّ بالأثر الواقع على بعضٍ كذلك يحسّ بعض أجزاء العالم بالأثر الواقع على بعض لشدة اتصالها وائتلافها واتحاد بعضها ببعض.
قال: ونقول إن لكل الأشياء الأرضية قوى تفعل أفاعيل عجيبة، وإنما نالت
تلك القوى من الأجرام السمائية، فمن استعمل تلك الأشياء الطبيعية ذوات القوى العجيبة (1) في الغرض الملائم لذلك الفعل، رأى تلك الأثار في الشيء الذى أراده.
قال: وربما أثر بعض أجزاء العالم في بعض آثارًا معجبة بلا حيلة يحتالها أحد، وربما جذب بعض أجزاء العالم بعضًا جذبًا طبيعيًا، فيتوحد به، وربما عرض من دعاء الداعي وطلب الطالب أمور عجيبة أيضًا بالجهة التي ذكرناها آنفًا، وذلك أن يكون دعاؤه (2) يوافق تلك القوى، فتنزل إلى هذا العالم وتوثر آثارًا عجيبة، وليس بعجب أن يكون الداعي ربما سُمِعَ منه، لأنه ليس بغريب من هذا العالم، ولا سيما إذا كان الداعي مؤمنًا صالحًا.
فإن قال قائل: فما تقولون إذا كان صاحب الدعاء شريرًا، وفعل تلك الأفعال العجيبة؟ قلنا: إنه ليس بعجب أن يكون المرء الشرير يدعو أو يطلب فيجاب إلى ما دعا وطلب، لأن المرء الشرير يستقي من النهر الذي يستقي منه المرء الصالح، والنهر لا يميز بينهما بل يسقيهما جميعًا، فإن كان هذا هكذا ورأينا المرء - شريرًا كان أو صالحًا - ينال من الشيء المباح لجميع الناس، فلا ينبغي أن يعجب من ذلك.
(1) ص: الحجية.
(2) ص: دعاء قواه.