فهرس الكتاب
وكلام الغزالة في دعواه انقراض عصر الاجتهاد إنما كان منه على طريق الإلزام على معاصريه في خوضهم على المناظرات للمال والجاه وقد صرح صاحبه الفقيه أحمد بن برهان بأن القاضي لا يلزمه التقيد بمذهب ورجحه النووي وكلام القرطبي أيضًا في ذلك إنما هو في المجتهد المطلق الذي ينشىء مذهبا خارجا عن مذاهب من تقدمه من المجتهدين في الأصول والفروع وذلك متعذر بلا شبهة كما يأتي وكيف يسوغ لأحد شمم رائحة الفهم وأوتي قسطا ولو قليلا من العلم أن يقول بأقفال باب الاجتهاد وهو فضل الله يؤتيه من يشاء من عبادة في أي عصر كان وقد قرر أئمة الدين سلفا وخلفا أن الاجتهاد في كل عصر فرض كفاية بالإجماع وقرروا أيضًا أن النصوص بعد وفاته صلى الله عليه وسلم صارت محكمة لا تقبل النسخ بحال من الأحوال وأن كان حادثة حدثت أو تحدث إلى أن تنقضي دار التكليف لأبد أن يكون لها حكم عند الله تعالى يؤخذ من أحد الأدلة الأربعة وقرروا أيضًا أن الإجماع الذي يكون حجة هو إجماع مجتهدي الأمة في عصر على حكم الشرعي وحينئذ فما هو الدليل الذي ينسخ فرضية الاجتهاد بعد تقريرها في كل عصر أن كان الدليل الناسخ من الكتاب فالكتاب والسنة اللذان بين أيدينا يؤيدان فرضية الاجتهاد فإن كان الدليل من طريق الوحي فلا وحي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فإذن لا يكون الدليل الناسخ إلا من الكتاب والسنة المعروفين وليس بهما إلا ما يؤيد فرضية الاجتهاد فاعبروا يا أولى الألباب فوجب استمرار فرضية الاجتهاد حتى يجيء الناسخ من طريق الوحي وهذا محال وإن كان الدلي على أقفال باب الاجتهاد وانقراض أربابه هو الإجماع فمع القول بذلك على زعم القائل به يقال له كيف يتحقق إجماع مجتهدي الأمة الذي هو حجة والمفروض في زعمه انقراضهم وإجماع غيرهم ليس بحجة على أن الإجماع الذي هو حجة لا ينسخ غيره ولا ينسخه غيره على ما هو الحق وإنما إذا أجمع المجتهدون في عصر على نسخ حكم كان ذلك منهم إجماعا على وجود