مخفية، وبعضهم اطلع بعض طلابهم على شيء، فاستحلفه ألا يخبر به حتى يموت، وهدده أنه لو أخبر به أن يقاطعه ولا يكلمه أبدًا ولا يعلمه حرفًا، ولذلك ما نشرت الأعمال إلا بعد موت الشخص، نشرت وسطرت ونقلت إلينا في الكتب. ومن هؤلاء عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قال علي بن الفضل: رأيت الثوري ساجدًا، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه، وصلى بعد المغرب فسجد فلم يرفع حتى أذن العشاء، وكان الثوري -رحمه الله- إذا صلى الليل اضطجع فرفع رجليه على الجدار ليعود الدم إلى أسفل من كثرة وقوفه.
إخفاء الأعمال وأثره في التربية:
إن إخفاء الأعمال له أثر تربوي كبير جدًا، والإخلاص باب يفتح الله به على بعض الناس، يرى من خلاله سير بعض هؤلاء الذين أخفوا أعمالهم. ففي ترجمة محمد بن إسماعيل البخاري يقول أبو بكر بن منيف: كان محمد بن إسماعيل البخاري ذات يوم يصلي، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته اشتكى، فنظروا فإذا الزنبور قد أصابه بالورم في سبعة عشر موضعًا ولم يقطع صلاته، فلاموه، فقال: كنت في آية فأحببت أن أتمها. وما قطع الصلاة. يقول علي بن محمد بن منصور: سمعت أبي يقول: كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري ، فرفع إنسان من لحيته قذاةً وطرحها إلى الأرض، فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس -الآن حركات محمد بن إسماعيل تحت المجهر من ذلك الرجل- و البخاري يراقب الناس وينظر إلى القذاة، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه لحيته. ففي هذا الموقف هل كان البخاري تقصد أن يراه ذلك الشخص؟ أبدًا. لكن الموقف أطلع الله عليه واحدًا ونُقل وسُطر، وفي سيرة البخاري يوجد هذا الموقف ويقرؤه طلاب العلم إلى الآن.
مواقف إثبات عقيدة السلف وأثرها في التربية: