إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فيا عباد الله! يكون المرء مسلمًا، ويولد في الإسلام، ويعيش بين المسلمين، وربما يكون ضالًا فيهديه الله عز وجل، فيغشى دور العبادة، ويصحب الأخيار، ويأتي الطاعات، وينتهي عن كثير من المحرمات، وربما شرع في طلب العلم، ولكن يبقى في نفسه من آثار الجاهلية ما يبقى، يدخل في الإسلام لكن دخولًا ليس بالكلي، فتبقى معه آثار من آثار الجاهلية، وبعضهم تظهر في نفسه بعد حين من الزمن من تلك المورثات الأولى التي كان عليها أيام ضلاله، ويدخل بعضهم في الهداية، ولكن يبقى فيه من لوثات المجتمع الفاسد الذي كان فيه، أو مما ورثه عن بعض أهله وعادات آبائه وأجداده مما يخالف شريعة الإسلام، وهذا عيب كبير أن نكون مسلمين ولكن فينا من لوثات الجاهلية، وأن تظهر علينا علامات الهداية وسمت الإسلام والتمسك بالسنة، ولكن فيها رذاذ يصيبنا من الجاهلية. لقد جاء الله بالإسلام، فمحا الجاهلية، وتتبعت الشريعة كل أمر من أمور الجاهلية القبيحة لتنسفه وتحرمه، وتعظ الناس به، قال الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] يذكّر النساء المسلمات بالبقاء في البيوت فلا يخرجن لغير حاجة شرعية، كالصلاة في المسجد بشرطها، أو حاجة دنيوية لا أن يخرجن من غير حاجة. وقال تعالى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب:33] قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية، وقال قتادة: إذا خرجن من بيوتهن كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال مقاتل في تبرج الجاهلية: أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري