فهرس الكتاب
... ولم تكن الحرب هي الجانب المهم في هذه الحملة، ولكن الصلح الذي انتهت إليه كان هو الحدث التاريخي البارز.. فقد كشفت المدوَّنات الأثرية المصرية عن حدث تاريخي هام في العلاقات الدولية ذلك أنه انعقد بين مصر والحثيين معاهدة صلح وسلام دائم وجاء فيها بالنص أن قادش وجبيل (اللبنانية) هما الحد الفاصل بين الدولتين ما كان منهما شمالا فهو للحثيين وما كان منهما جنوبا فهو لمصر، وكانت هذه الوثيقة أول معاهدة مدونة في التاريخ، تنظم العلاقات وتضع الحدود بين دولتين عظيمتين.
... وواضح من هذه المعاهدة الدولية التي عثر عليها بنصوصها الكاملة، أنها اعتبرت فلسطين بأسرها وديار الشام كلها أرضا مصرية، وجزءًا لا يتجزأ من الدولة المصرية.. وهذه المعاهدة الدولية القديمة هي إحدى الدلائل الساطعة التي تثبت بُطلان الدعاوى الصهيونية من أساسها.
... ولا يحسبنَّ القارئ أن الصلة بين مصر وفلسطين كانت قائمة على الحروب والغزوات التي نقرأ عن الكثير من أمثالها في تاريخ العصور القديمة، فالواقع أنه خلال أربعة قرون ويزيد كان تاريخ فلسطين ينبئ بأنها ولاية مصرية، أو بالتعبير الحاضر (محافظة مصرية) فقد كان لفرعون مصر تحتمس مندوب - نائب - للمنطقة كلها، كما يقول المؤرخ الشهير جون ولسون، وكان لمصر مفتشون في المدن الهامة للإشراف على الحكام المحليين، وكانت غزة هي المركز الرئيسي للإدارة.. وكان مبعوثو الملك إلى جميع البلاد بمثابة رسل وسفراء يحملون رقعا من الطين محررة باللغة الدبلوماسية في تلك الأيام ويصلون بها حتى أواسط الأناضول، ويسيرون بها من تل العمارنة إلى جبيل في شمال لبنان.. ومن أراد المزيد من هذه الوقائع فليرجع إلى كتاب بلادنا فلسطين لمؤلفه الكبير الأستاذ مصطفى الدباغ.