الصفحة 36 من 61

وأما ما ذهب إليه صاحب زاد المعاد [1] وصاحب الظلال [2] رحمهما الله تعالى ، من التدرج في مراحل الدعوة فلم يقصدوا به سوى المراحل التي واجهت بها الدعوة الواقع العملي تاريخيًا، وذلك من ملابسات التمادي في التضييق بمكة أو التأليب على العدوان بالمدينة، حتى انتهى ذلك الواقع التاريخي إلى سيادة الدعوة ودولتها على الجزيرة العربية، فصار الناس منها إما مؤمن بها أو داخل في عهدها أو محارب لأهلها.. ولو كان المشركون وأهل الكتاب من اليهود قد خلُّوا بين المسلمين والناس ليمارسوا حرية البلاغ منذ البداية لما كانت بالمسلمين حاجه إلى اللجوء للقتال.. وتدل الملابسات التاريخية نفسها إلى أن المسلمين كانوا حريصين على الجنوح للسلم والتعاهد على المسالمة والموادعة ، متى ما سنحت الظروف وأتيحت الفرص.. ويقف صلح الحديبية شاهدًا على هذا التوجه الأصيل.. وقد كسب المسلمين بالصلح أضعاف ما كسبوه بالحرب من حيث انتشار الدعوة والتمكين للدعاة.

وتدل صحيفة المدينة [3] التي عقدها المسلمون مع سكان المدينة على تعدد مللهم ونحلهم على هذه الروح التصالحية التصاهرية، ولولا خرق اليهود عهد تلك الصحيفة بتحالفهم مع مشركي قريش والقبائل الأخرى ضد دولة المدينة الناشئة فيما عرف بغزوة الأحزاب لكان يمكن أن يكون لملابسات التاريخ مجرى آخر..ويدل عهد المسلمين مع نصارى نجران،سواء في العهد النبوي أو العهد الراشدي على ما يوليه المسلمون من روح التصالح والتوادد مع أهل الكتاب وخاصة النصارى .

ب - عموم رحمته وعدالته في الحكم:

(1) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد 3/158-161.

(2) سيد قطب: في ظلال القرآن 3/1433.

(3) أنظر كتاب أنفاس طاهرة أ.د. أحمد على الامام ص 10-40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت