فهرس الكتاب
ولا يزال الإعجاز والتحدي قائمين إلى يومنا هذا، وإلي الأبد، حيث تؤكده الدراسات اللغوية الحديثة. وإن من وجوه إعجاز القرآن، وحدته البنائية، التي تساعد اللسانيات الحديثة على دراستها، كامتداد لما بحثه العلماء المتقدمون في إعجاز القرآن البياني .
ولقد تنزل السورة كالبقرة، نجومًا مفرقة على مدى طويل من الزمان، قد يستغرق سني حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة، لكنها لمن يتدبرها كأنها نزلت دفعةً واحدة وفي ذلك يقول صاحب كتاب ( النبأ العظيم ) :"... إنها إن كانت بعد تنزيلها قد جمعت عن تفريق، فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده، فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه، قدرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضًا فلم تلبث كل لبنة منه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذ البنيان قد عاد مرصوصًا يشد بعضه بعضا كهيئته أول مرة [1] ."
إنَّ نظم القرآن قد أخذ بألباب العرب البلغاء، وقد أدرك اللغويون القدامى عظمة لغة التنزيل، وأنها ليست كلغة العرب، أهل اللسان والفصاحة، وأن لها خصائص عالية اكتسبت بها الإعجاز: { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } (فصلت:41-42) .. ولقد أقبلوا على التنزيل مستفيدين، معتبرين، مبينين أفانين شتى من وجوه القول، فكان ذلك مؤذنًا أن القرآن قد أقام درس التربية على أنماطٍ جديدة، لم يهتد إليها العرب من قبل إن يتأدبوا بأدب القرآن .. لقد وجد الدارسون في لغة القرآن أنماطًا من وجوه القول وقفوا عليها، فقالوا فيها أقوالًا عدة، إذ هي وأمثالها كانت دافعًا لأهل العلم أن يضعوا أوائل الضوابط النحوية .
(1) 42 / د. محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، نظرات حديثة في التفسير ص 155 .