كذا في هذه الرواية بإعادة ثم وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن . لماذا ؟ لأنهم كانوا يعلمون أن القرآن ربيع قلب المؤمن ، وأن القرآن هو روح الإسلام وجوهره ، وأساس التشريع فيه .
وكانوا يكثرون من قراءة القرآن وتلاوته لأنهم علموا أن الله تعالى أثنى على من كان ذلك دأبه حيث قال تعالى ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) [ سورة آل عمران: 113 ] . وكان التنافس بينهم شديدا في الملازمة على قراءة القرآن وتلاوته روى البخاري في صحيحه عن أبي بردة قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، وبعث كل واحد منهما على مخلاف ، واليمن مخلافان [1] ، ثم قال: ( يسرا ولا تعسرا ، و بشرا ولا تنفرا ) فانطلق كل واحد منهما إلى عمله وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه ، أحدث به عهدا فسلم عليه ، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى ، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه وإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس ، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس: أيم هذا ؟ قال هذا رجل كفر بعد إسلامه ، قال لا أنزل حتى يقتل ، قال إنما جيء به لذلك فانزل قال ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن ؟ قال: أتفوقه تفوقا ، أي ألازم قراءته ليلا ونهارا شيئا بعد شيء ، وحينًا بعد حين ، مأخوذ هذا من فواق الناقة وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب هكذا دائما .
(1) المخلاف بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء هو بلغة أهل اليمن ، وهو الكورة ، والإقليم ، والرُّستاق . وكان جهة معاذ العليا إلى صوب عدن ، وكان جهة أبي موسى السفلى . نقلا عن الحافظ بن حجر في فتح الباري عند شرحه لهذه الحديث .