فهرس الكتاب
هناك رأي سائد في الساحة الثقافية العربية، مفاده أن الترجمة هي المؤثّر الأساسي في نشوء أدب الأطفال عند العرب. وكنتُ صوَّبتُ هذا الرأي (6) ، وانتهيتُ إلى أن أدب الأطفال بدأ بالتأليف وليس الترجمة (7) ، ونهض بعبئه مربُّون عرب لمسوا حاجة الطفل- داخل المدرسة غالبًا- إلى الأدب، وارتباطه به، وتأثيره التربوي والجمالي فيه. وقد آثرتُ التذكير بهذا الأمر هنا لئلا يعتقد أحد بأن أدب الأطفال وفد إلينا من الغرب بوساطة الترجمة كما وفدت الآلة والعلوم التطبيقية. ذلك لأن الترجمة لم تكن غير عامل من عوامل ظهور أدب الأطفال، نهض بها روّاد كعثمان جلال وأحمد شوقي وكامل الكيلاني، دون أن يخضع هذا العامل للتمحيص بغية التمييز بين الترجمة والمثاقفة. فلافونتين الذي استفاضت شهرته لدينا بعد ترجمة أحمد شوقي وعثمان جلال (8) حكاياته شعرًا، قرأ (كليلة ودمنة) بعد ترجمتها من الفارسية إلى الفرنسية وقبل تأليفه حكاياته. بل إنه كتب حكاياته للكبار أساسًا، فنقلها شوقي وجلال للأطفال دون أن يعيرا خطرها ومجافاتها الروح العربية أي اهتمام. ولم يكن كامل الكيلاني أفضل حالًا (9) ، فقد ترجم ونقل واقتبس نثرًا كثيرًا من الحكايات المستمدّة أساسًا من (ألف ليلة وليلة) كالسندباد البحري (1927) ، على الرغم من أن شعره للأطفال (10) أكثر دقة في التعبير عن ريادته من القصص التي ترجمها ونقلها واقتبسها وبسَّطها وألبسها لبوسًا عربيًا ناصعًا.