فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 191

لا أشك في أن مصطلح (الاختراق الثقافي) يدل على مفهومين متناقضين، إيجابي وسلبي، ذلك أن أدب الأطفال المترجم يسهم في اتّساع أفق الطفل العربي ومعارفه، حين يُطلْعه على عادات الشعوب وأحوالها وتاريخها ونضالها ومفاهيمها للحياة والكون، وما إلى ذلك من أمور إيجابية. ولكنه في الوقت نفسه يُهدِّد قيم الطفل العربي وعاداته وتقاليده وارتباطه بأسرته ومجتمعه ووطنه وأمته حين يطرح قيمًا مناقضة لها، نابعة من أيديولوجيّته وبيئته وتاريخه. والواضح بالنسبة إليَّ أن الدلالة الإيجابية لمفهوم (الاختراق الثقافي) انتقلت إلى مصطلح آخر هو (المثاقفة) ، وبقيت الدلالة السلبية لصيقة بمصطلح (الاختراق الثقافي) . ومن ثمّ أصبح الاختراق الثقافي دالًا على مفهوم العمل الثقافي الذي يُراد منه خلخلة ثقافة معيّنة، وجعْلُ معتنقيها يشعرون بضعف الثقة بثقافتهم، وبالحاجة إلى تبديلها باعتناقهم ثقافة القويّ الغازي، والتماهي بقيمها وعاداتها وتقاليدها، دون أيّ تمييز بين الحضارة والمدنيّة.

وإذا كان الأدب ذا طبيعة إيجابية دائمًا، فلماذا نخاف على أطفالنا من الاختراق الثقافي بوساطة الأدب المترجم؟ أعتقد بأن كل أمّة تُنتج أدبًا لأطفالها ملائمًا لها، معبِّرًا عن نظرتها إلى الطفل في حاضره ومستقبله، عاملًا على إمتاعه ومساعدته على التكُّيف مع مجتمعه وإعداده للمستقبل. ولا يتوقّع أحد أن يكون هذا الأدب سلبيًا من وجهة نظر أصحابه ومنتجيه، ولكنه يتوقّع أن تتباين الأمم في ثقافاتها، وأن تسعى الأمم القوية إلى فرض ثقافاتها على الأمم الضعيفة لتمحو هويّتها وتجعلها تابعة لها. وهذا ما نشهده اليوم في عصر المعلومات والتقنيات والأقمار الصناعية. وهو عصر يجعل الأدب المترجم وسيلة لتغريب الطفل العربي عن واقعه ومجتمعه وأمته، لأن هذا التغريب هو الهدف الأساسي للاختراق الثقافي ببعديه السياسي والاجتماعي، وهذا إيجاز لهذين البعدين.

أ-البعد السياسي للاختراق الثقافي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت