فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 191

يبدأ الطفل العربي، كغيره من أطفال الأمم الأخرى، يكتسب اللغة من ولادته، حتى إن اللغويين يعدّون فترة المناغاة دليلًا على الاستعداد لتلّقي اللغة (21) . والذي تهمّني الإشارة إليه هو أن الطفل يملك كفاءة لغوية، أو قدرة فطرية على اكتساب اللغة المستعملة في محيطه. وهذه القدرة اللغوية الفطرية تُمكّنه من (تكوين الفرضيّات واستعمال قواعد خاصة به، يُعدّلها باستمرار إلى أن تُشْبه القواعد التي تحكم لغة الكبار) (22) وكأنه (يعلم بشكل آلي أن اللغة محكومة بقواعد معيّنة عليه اكتشافها) (23) . وتُعْزى نظرية القدرة اللغوية الفطرية إلى العالم الأمريكي اليهودي نوام تشومسكي. وقد نُوقشت هذه النظرية كثيرًا، فأثبت اللغويون صحّتها (24) ، وأضافوا إليها قولهم إن الطفل لا يتخلّى عن فرضية قديمة بمجرّد اكتشافه فرضيّة جديدة، بل يتمسّك بالقديمة فترة تطول أو تقصر (25) . وهذا يدّل على أنه يملك عقلًا نشطًا ذا تركيب معقّد جدًا، يسمح له باستنباط قواعد اللغة. وقد قوَّضت نظرية القدرة الفطرية ما كان شائعًا حول العلاقة الوثيقة بين مستوى الذكاء واكتساب الطفل اللغة. فالطفل، أي طفل، مفطور على تعلّم اللغة البشريّة، بل إن لديه قدرات لغوية بيولوجية وعقلية وعصبية تساعده على اكتساب لغة محيطه، سواء أكان مستوى ذكائه منخفضًا أم مرتفعًا. كما قوّضت نظرية القدرة الفطرية رأيًا آخر شائعًا، هو أن تدريب الوالدين طفلهما على اكتساب اللغة كفيل بإتقانه لغة محيطه. والمراد من هذا التدريب تمكين الطفل من اللغة، لأنه لا يستطيع ذلك وحده. وهذا الرأي غير علمي، لأن الطفل يتمكّن من إتقان لغة محيطه، سواء أكان هناك مَنْ يُدرّبه على ذلك أم لم يكن. وليس للتدريب من أهميّة غير الإسراع في الإتقان ونوعيّته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت