فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 191

وعلى الرغم من أن أسماء المبدعين تكثر كلّما ارتفع العمر فوق الحدّ الأدنى فإن الأمر الذي لا يخطئه الباحث هو أن الإبداع الفنّي يبدأ في مرحلة المراهقة، ثم يستمر دون أن يعرف سنًّا يقف عندها. وهناك باحثون ينصّون على أن الإنتاج الإبداعي ينمو بين الثلاثين والأربعين ثم يهبط تدريجيًّا. وقد رفع بعضهم هذه السنّ إلى الخامسة والأربعين، ونصّ على أن ذلك لا يعني التحديد الدقيق للعمر الذي يظهر فيه الإنتاج الإبداعي. فقد أبدع فيردي أوبرا فالستاف وهو في الثمانين، وكتب مارك توين (جورنال حوّاء) في الحادية والسبعين، وطوَّر غراهام بيل الهاتف في الخامسة والخمسين، وحل مشكلة ثبات التوازن في الطائرة وهو في السبعين (3) . أما مرحلة الطفولة فليس لدّي مايبعث على الاطمئنان بإمكانية عدّها مرحلة زمنية صالحة لظهور الإبداع الفنّي. وليس في تاريخ الأدب العربي، في حدود ماأعلم، أمثلة وافرة تُعين على القول إن الطفل قادر على الإبداع قدرة الراشد عليه. وربّما لاحظنا لدى الأطفال أحيانًا شيئًا من الإنتاج الأدبي، إلاّ أن المفهوم العلمي للإبداع لا يعدُّ هذا الإنتاج إبداعًا فنّيًا، بل يعدّه عملًا ابتدائيًا لا يرقى إلى المستوى الفنّي، ولا يعبِّر عن خبرة جمالية ناضجة.

وهذا يعني، أول وهلة، أن دراسة الإبداع الأدبي لدى الأطفال ليس لها أي سند علميّ ولا مسوِّغ واقعيّ. بيد أن إنعام النظر في الموضوع نفسه يقود إلى أن الإشارة إلى الحدّ الأدنى لعمر المبدعين صحيحة دقيقة إذا درسنا الإبداع من زاوية الإنتاج الإبداعي الذي قدّمه المبدعون أوّل مرّة. أيْ أن الذين حدّدوا البداية بالرابعة عشرة بالنسبة إلى الإبداع الفنّي، والخامسة عشْرة أو السادسة عشْرة بالنسبة إلى الإبداع العلمي انطلقوا في تحديدهم من دراسة سيرة حياة المبدعين، فلاحظوا أن فئة منهم نشرْت أول إنتاج إبداعي لها وهي في الرابعة عشرة، ومن ثمَّ عدُّوا هذه السنّ حدًّا أدنى للإنتاج الإبداعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت