فهرس الكتاب
أ- إن تباين الناس في العلوم والمعارف والآراء والمذاهب عائد إلى تفاوتهم في هذه القوّة المتخيِّلة لاختلاف تركيب أدمغتهم. يقولون في ذلك: (اعلم أن الناس في هذه القوّة متفاوتو الدرجات تفاوتًا بعيدًا جدًا. والدليل عليه أنك تجد كثيرًا من الصبيان يكون أسرع تصوّرًا لما يسمعون، وأجود تخيُّلًا لما يصف لهم كثير من المشايخ والبالغين. وذلك أن كثيرًا من العلماء والعقلاء والمرتاضين في العلوم والآداب تعجز نفوسهم عن تصور أشياء كثيرة قد قامت الحجة والبراهين على صحتها. ثم علم ان العامة في تفاوت درجات الناس في هذه القوة ليست من اختلاف جواهر نفوسهم، ولكن من أجل اختلاف تركيب أدمغتهم واعتدال أمزجتها أو فسادها وسوء مزاجها) (14) . ولا يقرّر إخوان الصفاء في هذا النص أن الخيال قوّة يملكها الناس كلهم فحسب، بل يقرّرون أن الخيال درجات وليس درجة واحدة، يتفاوت نصيب الناس منها لاختلاف تركيب أدمغتهم واعتدال أمزجتهم أو فسادها أو سوئها. وسأشير في أثناء توضيح لفظة القصص إلى ثلاث درجات لهذا الخيال، ولكنني هنا معنيّ بالقول إن النص السابق يقدّم لنا حقيقة معرفية مهمة هي أن خيال الأطفال أكثر نشاطًا وجودة من خيال الكبار، أيْ أنهم بتعبيرنا الحديث قادرون على بناء عوالم متخيَّلة أكثر من قدرة الكبار على بنائها. ونجد في علم نفس الطفل مصداقيّة هذا الأمر، إذ أن هناك تصنيفًا للطفولة بحسب الخيال، هو:
-مرحلة الواقعية والخيال المحدود بالبيئة (3 - 5 سنوات) :
(خيال الطفل في هذه المرحلة حاد ولكنه محدود بإطار البيئة التي يحيا فيها. كما يكون إيهاميًا، فالطفل يتصور غطاء القِدْر مقود سيارة يلف به ذات اليمين وذات الشمال) (15) .
-مرحلة الخيال المنطلق (6 - 8) سنوات):