فهرس الكتاب
على أن حديثي عن لفظة (العلم) ليس مطلقًا، بل هو مقيَّد بإضافة الخيال إليه، ومن ثَمَّ يظهر نوع من التعارض بين اعتماد العلم على الحقائق الموضوعية والملاحظة والتجريب، وانطلاق الخيال من الأحلام والأماني والفضول الذهني إلى حوادث ومجتمعات ليس لها شبيه في الواقع. ولا رغبة لديَّ في إعطاء هذا التعارض شيئًا من الأهمية، فقد ثبت أنه تعارض شكلي وليس جوهريًا، لأن الخيال يكمن وراء الاختراعات والاكتشافات العلمية كلها إنْ لم نقل إنه الحافز عليها والمحرِّض على الاستمرار في البحث والتنقيب عنها والتأمُّل فيها. كما أنه يكمن وراء الأعمال الفنيّة القصصية التي خلقت حوادث ومجتمعات علمية، وجعلت الإنسان يعيش فيها ويتأثَّر بها دون أن يكون لها مثيل في واقع المؤلِّفين والقرّاء. وخيال العالم والفنَّان واحد هنا، إذ إنه مرتبط بالقضايا العلمية، ومن ثَمَّ سُمِّي بالخيال العلمي تمييزًا له من الخيال الأدبي الذي يخلق حوادث ومجتمعات ليست مطابقة لما يضمّه الواقع، ولكنها لا تخرج في جوهرها وملامحها ودلالاتها عنه. والخيالان العلمي والأدبي يختلفان أيضًا عن الخيال الفلسفي الذي يخلق حوادث ومجتمعات ليس لها شبيه في الواقع ولكنها تجيب عن أسئلته الكبرى والصغرى، كتلك المدن الفاضلة عند الفارابي وتوماس مور وفرانس بيكون وادوارد بيلامي وويلز (31) ، أو قصة حي بن يقظان في التراث الفلسفي العربي. كما تختلف الأخيلة السابقة عن الخيال الفنّي التشكيلي الذي يلجأ إلى الخط واللون في تجسيد أشكال فنيّة جديدة ليس لها مثيل في الواقع، كما هي الحال لدى لوناردو دافينشي (32) . وليس الهدف هنا تعداد أنواع الأخيلة، بل الهدف هو الإشارة إلى أنها جميعًا تشترك في القفز فوق الواقع، وفي رسم عوالم جديدة، تبعًا لاعتمادها الخيال أساسًا في حركتها.