إن ما يدركه الانسان أو يمكن أن يدركه في الطبيعة بحواسه هو ما نسميه عالم الشهادة. إلا أن في الطبيعة ما يستحيل إدراكه بالحواس أو بأي وسيلة مساعدة، إما بسبب وجوده في أطراف الكون القاصية أو بسبب حدوثه في الماضي أو المستقبل. علمًا بان ما ندركه الآن من حالة الكون بوساطة الضوء الصادر من النجوم البعيدة إنما يصف حالته في ماضٍ سحيق، ذلك لأن الضوء وإن كانت سرعته كبيرة إلا أنها محدودة. وهكذا فإن ما نشاهده من حولنا في الكون محدود بحدود الزمان والمكان، ويستحيل تجاوز هذه الحدود عن طريق حواسنا. إلا أن ما وراء هذه الحدود يمكن تصوره عقلًا، بل يمكن وصفه من خلال القانون الطبيعي بحسبه امتدادًا لما نشاهده بحواسنا. هذا الامتداد العقلي للكون المشاهد غيب نسبي من حيث ارتباط وجوده بالظرف الزماني والمكاني. أما الغيب المعرف بالألف واللام أو الغيب المطلق، هو وجود لا يمكن وصفه أو تفسيره بأي قانون طبيعي. ولكن بالطبع فهو محكوم بناموس الوجود الذي يشمل الغيب كما يشمل الشهادة. ومن هذا نجد أن عالم الغيب يحيط بالكون الطبيعي المادي ويسمو عليه ليس من حيث المكان بل من حيث مرتبته في عوالم الوجود، إذ يصير عالم المادة هو أدنى هذه المراتب، وهو ما يسمى بالسماء الدنيا بكل ما تحتويه مما نشاهده أو ندركه في هذا الكون الشاسع. والعلم عن ما يعلو على السماء الدنيا لا يدخل في إطار العلم الطبيعي ولكن يستمد من الوحي الذي فهمنا منه أن الله (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا...) [سورة الملك:الآية 2] ، قد رتب بناء الوجود من هذه السماوات أو الطبقات السبع حيث يسمو بعضها على بعض في المرتبة، ولكنها تتحد في الخلق. والعلم بما يلينا من السماء الدنيا المتمثل في العلم الطبيعي محدود بمحدودية حواسنا وقاصر بقصور ادراكنا ولكنه متطور أبدًا كلما اتسعت دائرة هذا الادراك، وكلما تعمقت معرفتنا بما يعتمل في الكون وفي الطبيعة وفي الحياة.