الصفحة 13 من 40

فبعض هؤلاء يرى أن من كمال شخصيته الدعوية أو العلمية أن لا يتبع أحدًا وأن لا يقلّد أحدًا وأن لا يقول بقول أحدٍ، فيتجنب بقدر المستطاع أن يقول بقول أحد أو يحكم بما حكم به أحد مهما علا كعب ذلك الأحد في العلم وعرف بالتوفيق والسداد في الاجتهاد، ولو كان صحابيًا أو تابعيًا إمامًا أو إمامًا من أئمة المذاهب الفقهية المتبوعين.

ولذلك يحرص أن يأتي بالجديد في حكم المسألة المستجدة، ولو انقطع رأيه عن دليل صريح أو دلالة قريبة أو ظاهرة؛ فيبحث عن حكم النازلة في القواعد العامة والمبادئ الكلية للشريعة وإنْ وُجد ما يعارضها من الأدلة الخاصة في المسألة حتى يخرج بحكم مستقل عن أقوال الآخرين ينسبه لنفسه.

وهذا بلا شك مرضٌ قاتل، يجب أن يسارع من تسلل إلى قلوبهم إلى التطبب والعلاج، وإلاّ فعاقبتهم شر عاقبة على أنفسهم وعلى الدعوة والدين.

فلا انتقاص منه ولا من علمه إن وافق غيره في حكم مسألة، وليس عيبًا ولا عارًا عليه أن يرجّح قول فقيه أو رأي عالم ويأخذ به ويقول بقوله.

يدخل في هؤلاء أيضًا أولئك الذين يبحثون عن شواذ الأقوال ومتروكها يتبنونها في النوازل المستجدة في صورها وأحوالها، مخالفة للعلماء وإظهارًا للذوات بحثًا عن مجد غابر أو إحياءً لصيت قد هاجر، فتجده في معاملات البنوك والمصارف يأخذ بما شذّ من قول ابن عباس أنه لا ربا إلا في النسيئة، وفي القروض الربوية يقول بقول من شذّ من باحثي العصر وصححها. وفي إمامة المرأة للجمُعات والجماعات يأخذ بما شذّ من قول الطبري أنها تجوز، وفي الزيجات العصرية الباطلة يبيحها بتوسيع قول الإمامية في زواج المتعة، وغير ذلك [1] . وربما احتجّ بالخلاف، على أن مجرد وقوع الخلاف يبيح المسألة، ولا حجة للخلاف في نفسه ،بل ربما كان الخلاف مردودًا لا اعتبار له في الشرع وكما قيل:

(1) وراحع: إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ، صالح الشمراني، دار المنهاج الرياض، ص139 ومابعدها، ص 152 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت