الصفحة 15 من 40

فأصحاب هذا المنهج يجنحون دائمًا إلى التحريم والحظر والمنع ونفي الجواز والإباحة، حملًا لأنفسهم وللناس على التعسير في الدين، مع أن الدين يسرٌ والحرج عن ديننا مرفوعٌ، وشريعتنا هي الشريعة السمحة السهلة، رحمة كلها، ويسرٌ كلها، وسماحة كلها، ولذلك سميت بالحنيفية، بل التيسير هو المقصد العام للأحكام الشرعية، أراده الله ولم يرد ضدّه من التعسير والتضييق على العباد، قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة/185] . وقال - سبحانه وتعالى -: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة/6] . وقال - عز وجل -: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج/78] . وقال صاحب الشريعة السمحة - صلى الله عليه وسلم -: ( إنّ هذا الدين يسرٌ ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه ) [1] .

وعلى هذا ربَّى أصحابه - رضي الله عنهم - ، وعلى هذا تربوا، فعن عمر بن إسحاق ~ قال: (( لَمَن أدركتُ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة ولا أقل تشديدًا منهم ) ) [2] .

وقال عبادة بن نسي الكندي ~: (( أدركت أقوامًا ما كانوا يشددون تشديدكم ) ) [3] . رضوان الله تعالى عليهم.

ولهذا! فليس للمتشددة مكان بين الفقهاء في الحقيقة، وإنْ هم في الواقع؛ فإنما اعتزاءً والتحاقًا بهم، لا انتسابًا برحم الفقه.

(1) أخرجه البخاري باب الدين يسر ، برقم 39 ج1 ص 23 ، وابن حبان برقم 351 ج2 ص 63، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4518 ج3 ص 18.

(2) سنن الدارمي ، ج1 ص 55 باب كراهية الفتيا برقم 126.

(3) سنن الدارمي نفسه برقم 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت