ومن أظهر شواهد وعلامات منهج التضييق والتشديد: حمل الناس على قوله ومذهبه، مع أنّ أئمة الفقه المهديين باتفاق الأمة والمتبوعون في مذاهبهم لم يكونوا يلزمون أحدًا بأقوالهم، أو يحملونهم على مذاهبهم وآرائهم..
فهذا الإمام مالك ~ لما استشاره الرشيد أن يحمل الناس على موطئه ، منعه من ذلك، وقال: (( إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرّقوا في الأمصار، وقد أخذ كل قوم من العلم ما بلغهم ) ) [1] .
وورد عنه أنه قال: (( لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ) ) [2] .
وذكر بعض المالكية أنه: (( إذا ظهر للإنسان خلاف ما يظهر لغيره فيمتنع في ذاته ولا يحمل الناس على مذهبه فيدخل عليهم شغبا في أنفسهم وحيرة في دينهم ) ) [3]
واشتهر عن الشافعي ~ في هذا المعنى قوله: (( قولي صواب يحتمل الخطأ وقولي غيري خطأ يحتمل الصواب ) ).
ونصّ الإمام أحمد ~ في ذلك فقال: (( من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدّد عليهم ) ) [4] .. وعنه أنه قال: (( لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ) ) [5] .
(1) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج30 ص 79.
(2) شرح الزركشي ، لشمس الدين أبي عبد الله الزركشي ، ج2 ص 404.
(3) التاج والإكليل ، ج1 ص 405.
(4) الآداب الشرعية، لابن مفلح ، ج2 ص 62، مؤسسة الرسالة ط2 1417هـ .
(5) شرح العمدة ، ج4 ص 567.