هذا ولو كان المفتي قاضيًا أو حاكمًا قد ولي أمر المسلمين، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ~: عمن ولي أمرًا من أمور المسلمين ومذهبه لا يجوِّز (شركة الأبدان) فهل يجوز له منع الناس ؟ فأجاب: (( ليس له منع الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره، مما يسوغ فيه الاجتهاد ، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك، لا سيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار. هذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقض حكم غيره في مثل هذه المسائل ولا للعالم والمفتي أن يلزم الناس باتباعه في مثل هذه المسائل ) ) [1] .
ولعل هؤلاء إنما حملهم على التضييق والتشديد أحد أمور:
ـ فبعضهم يجنح للتضييق والتشديد أخذًا بالاحتياط، لأنه لا علم له بالراجح او الحق والصواب في النازلة؛ فيحتاط لنفسه ويرجو أن يحتاط للناس فيحملهم على الاحتياط.
ـ وبعضهم يخشى التساهل في الدين من الناس فيسدّ الذرائع بالتحريم والحظر عليهم، ولو كانت الذريعة ضعيفة أو قليلة نادرة .
ـ وبعضهم يجعل ذلك من باب الورع في الفتيا، ويظنّ أن من الورع التحريم على الناس، وما درى أن تحريم ما أحله الله ليس من الورع في شيئ بل هو من باب الكذب على الله والافتراء عليه، وأن من حرّم ما أحل الله كمن أحلّ ما حرم الله سواء، وهو داخل فيمن نعى عليهم رب العزة تبارك وتعالى في قوله: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل/116] .
وهذا المسلك يدخل في الدين من المفاسد غير قليل، ومن ذلك:
1ـ يؤدي إلى النفور عن قبول الشرع وأحكامه، والإصرار على الاستمرار على ما كان عليه، وهذا من الفتنة العظمى في الدين.
(1) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج30ص 79.