فهرس الكتاب
لا مناص , سأكون يتيمًا هذا اليوم , لم أذق طعم اليُتمِ قطّ , ما أصعبَ اليُتمَ في مثل هذه المواقف..
وقفتُ ثقيلًا , كأن الدنيا بأسرها تتكئ على رأسي . ما أصعبه من موقف , وما أتعسها من لحظات.
حدّق فيّ الأستاذُ المبجلُ, ثم ابتسم ابتسامةً صفراء, حتى غدوتُ أرى أمامي ثعلبًا في ثوبِ إنسان, وكأنه ينتظرُ هذه اللحظة من قديم, استلّ عصاه من بين أكوام الورق, وتقدّم نحوي, في منظرٍ رهيبٍ مهيب, لم يكن يدور في أخلاد الطلاب أن مثل هذا سيحصل في يومٍ ما !
وبدون سابقِ تحقيق ولا مساءلة, أمرني - والأمر نافذ - أن أفتح يدي, طلبتُ منه التريّثَ والصبر, لعل وعسى ... لكنّ, نعم كانت لكنّ هي سيدة الموقف, وفصْلَ القضاء, عندما قال الأستاذ وهو يبتسم: ... لكن خطأ الشاطر بعشرة!
ما أقبحها !! ما أشرسها !!
حاولتُ معه, وتراجعتُ أنا وإياه في الكلام, لكنه بدا مصرًّا على موقفه, فلم أجد بُدًّا من الاستسلام, ولأنني لا أفقه أحكام وفنون التعامل مع الضرب بالسياط, كما هو حال من بلغ رتبةَ الاجتهاد من الطلابِ الكسالى فإنني فتحتُ كلتا يداي, فغدوتُ أشبهَ بعصفورٍ صغيرٍ يحاول التحليق دونما فائدة بينما أصبحَ المنظرُ مغريًا لهذا الثعلب , فهوى بكل شراسةٍ على جناحي العصفور الوديع , والعصفور لا يلوي على شيء .. والله يتولاه !
مما سبق, كانت هذه القاعدة مجال نقدٍ لذلك الفتى الصغير, إلى أن صلُبَ عوده, واتسعت مداركه , واستنار عقله , حينها أدرك أنها قاعدةٌ كاذبةٌ خاطئة , كيف لا ؟ وقد قرأ في السيَر ما يناقضها ويخالفها .. إنها فطرةُ الصغير ..
أما التنظير التربوي لهذه القاعدة فإنني أقول: لستُ أشكُّ طرفةَ عين في أن هذه القاعدة خطأٌ تربوي قاتل , وآثارها تُذكرُ فلا تُحمدُ ولا تُشكر , ولو لم يكُن من آثارها إلا أن المتفوق أو المتميز أو المُحسن عند إنزالها عليه سيكره ما هو عليه من التفوق أو التميز أو الإحسان , لكفى بها مثلبًا , وكفى بها منقصة.