فهرس الكتاب
حدثني سامي -وهو شابٌ صغير في الصف الثاني المتوسط- قال: كان أبي يمتعضُ من مشاركتي في حلقةٍ بعيدةٍ عن البيت, لكنه لم يكن يريد أن يكسر رغبتي تلك, وبالكاد كان يوافقُ على الرحلة في نهايةِ الأسبوع, لأنه لا يعرفُ حقيقةَ البرنامج الذي يُقام, ورغم أني كنتُ أخبره بسيْر البرنامج وخطته إلا أنه ليس من رأى كمن سمع, أما رحلات المبيت والأسفار, فمن الندرة أن يوافق وإن وافق فهو الفتح المبين .. إلخ, إلى أن قال لي: أتذكر يوم أن سافرتم إلى المدينة وتخلفتُ عنكم بسبب رفض والدي ..؟ قلتُ: نعم أذكر ذلك ولا أنساه , قال: أتذكر بعد تلك الرحلة بمدّة يوم أن ناولتني نسخةً من عرضٍ مرئي لأحداث الرحلة وقد أمرتني أن أزوّد به أبي وأمي, قلت له: أذكر ذلك جيدًا, قال: فإنني أطلعتُ والدي ووالدتي عليه و سُرُّوا به أيما سرور, ومنذ ذلك اليوم ووالدي لا يردّ لي طلبًا, يوافق على الرحلةِ دونما استفصال أو سؤال, بل همس في أذني يومًا فقال: (يا بنيّ ! استمسك بهم , ولو أدركتُهُم في شبابي لما تجاوزتهم) .
أعرفُ أباه جيدًا , لا يُرى على مظهره سيما الالتزام والاستقامة , بحق كانت كلماته مُزلزِلةً مدوّية , فشهادته بعيدةٌ عن العاطفةِ ولا بد, إذ لو كان أبوه ممن ظاهره الاستقامة لقلتُ: تعاطفَ مع من هم على شاكلته.
يقول سامي: كان أبي يظن أن في الأمر شدةً وجمودًا , وأن المسألة تقوم على الأمر والنهي والغلظة والشدة , لم يكن يظن أن للترفيه في الحلقةِ مكانًا , فلما رأى ما رأى من المسابقات والألعاب الرياضية والترفيهية , بالإضافةِ إلى البساطةِ وعدم التكلفِ في المسكن والمأكل والملبس, وكذا التعامل الراقي من قبل الإخوة المشرفين مع الأحبة الطلاب, تغيّرتِ النظرة عنده تمامًا , فصارَ من أشد المؤيدين لبقائي في الحلقة ومشاركتي لأفرادها في الرحلات والزيارات , بل وعدني بهديةٍ ثمينة متى ما حفظتُ كلام الله , وأردفتها أمي بهديّةٍ لا تقلُّ نفاسةً عنها.