فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 246

وان أبى الا تدبيره لنفسه, واختياره لها, واهتمامه بحظه, دون حق ربه, خلاه وما اختاره, وولاه ما تولى, فحضره الهم والغم والحزن والنكد والخوف والتعب وكسف البال وسوء الحال, فلا قلب يصفو, ولا عمل يزكو, ولا أمل يحصل, ولا راحة يفوز بها, ولا لذة يهنأ بها, بل قد حيل حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه, فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش, ولا يظفر منها بأمل, ولا يتزود منها لمعاد.

والله سبحانه قد أمر العبد بأمر, وضمن له ضمانا, فان قام بأمره بالنصح والصدق والاخلاص والاجتهاد, قام الله سبحانه بما ضمنه له من الرزق والكفاية والنصر وقضاء الحوائج, فانه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده, والنصر لمن توكل عليه واستنصر به, والكفاية لمن كان هو همه ومراده, والمغفرة لمن استغفره, وقضاء الحوائج لمن صدقه في طلبها, ووثق به, وقوي رجاؤه وطمعه في فضله وجوده. فالفطن الكيّس انما يهتم بأمره واقامته وتوفيته لا بضمانه, فان الوفي الصادق, { ومن أوفى بعهده من الله} التوبة 111. فمن علامات السعادة صرف اهتمامه الى أمر الله دون ضمانه. ومن علا مات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه, والله المستعان.

قال بشر بن الحارث: أهل الآخرة ثلاثة: عابد وزاهد وصديق, فالعابد يعبد الله مع العلائق, والزاهد يعبده على ترك العلائق, والصديق يعبده على الرضا والموافقة, ان أراه أخذ الدنيا أخذها, وان أراه تركها تركها.

اذا كان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر, فان كان ذلك يفضي الى المشاقة والمحادة, وهذا أصلها ومنه اشتقاقها, فان المشقة أن يكون في شق ومن يخالفه في شق, والمحادة أن تكون في حد ويكون هو في حد.

ولا تستسهل هذا فان مبادئه تجر الى غايته, وقليله يدعو الى كثيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت