فهرس الكتاب
وكن في الجانب الذي فيه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, وان كان الناس كلهم في الجانب الآخر, فان لذلك عواقب هي أحمد العواقب وأفضلها, وليس للعبد شيء أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته, وأكثر الخلق انما يكونون في الجانب الآخر, ولا سيما اذا قويت الرغبة والرهبة, فهناك لا تكاد تجد أحدا في الجانب الذي فيه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم, بل يعدّه الناس ناقص العقل سيىء الاختيار لنفسه, وربما نسبوه الى الجنون, وذلك من مواريث أعداء الرسل.
فانهم نسبوهم الى الجنون لما كانوا في شق وجانب والناس في شق وجانب آخر.
ولكن من وطّن نفسه على ذلك فانه يحتاج الى علم راسخ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يكون يقينا له لا ريب عنده فيه, والى صبر تام على معاداة من عاداه ولومة من لامه, ولا يتم ذلك الا برغبة قوية في الله والدار الآخرة, بحيث تكون الآخرة أحب اليه من الدنيا وآثر عنده منها, ويكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب اليه مما سواهما, وليس شيء أصعب على الانسان من ذلك في مبادىء الأمر, فان نفسه وهواه وطبعه وشيطانه واخوانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه الى العاجل, فاذا خالفهم تصدوا لحربه, فاذا صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعب سهلا, وذلك الألم لذة, فلا بد أن يزيقه لذة تحيزه الى الله ورسوله, ويريه كرامة ذلك, فيشتد به سروره وغبطته, ويبتهج به قلبه, ويظفر بقوته وفرحه وسروره, ويبقى من كان محاربا له -على ذلك- بين هائب له ومسالم له ومساعد وتارك, ويقوى جنده, ويضعف جند العدو.