فهرس الكتاب
الوجه السادس: ان فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقرة عينه ولذته ونعيمه, وترك المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيء من ذلك, فانه لو ترك جميع المنهيات ولم يأت بالايمان والأعمال المأمور بها ولم ينفعه ذلك الترك شيئا وكان خالدا مخلدا في النار.
وهذا يتبين بالوجه السابع: ان من فعل المأمورات والمنهيات فهو اما ناج ان غلبت حسناته سيئاته, واما ناج بعد أن يؤخذ منه الحق ويعاقب على سيئاته فمآله الى النجاة وذلك بفعل المأمور.
ومن ترك المأمورات والمنهيات فهو هالك غير ناج ولا ينجو الا بفعل المأمور وهو التوحيد.
فان قيل: فهو انما هلك بارتكاب المحظور وهو الشرك, قيل: يكفي في الهلاك ترك نفس التوحيد المأمور به وان لم يأت بضد وجودي في الشرك, بل متى خلا قلبه من التوحيد رأسا فلم يوحد الله فهو هالك وان لم يعبد معه غيره, فاذا انضاف اليه عبادة غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به وفعل الشرك المنهي عنه.
يوضحه الوجه الثامن: أن المدعو الى الايمان اذا قال: لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره, كان كافرا بمجرد الترك والاعراض, بخلاف ما اذا قال: أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني, ولكن شهوتي وارادتي وطبعي حاكمة علي لا تدعني أترك ما نهاني الله عنه وأنا أعلم أنه قد نهاني وكره لي فعل المنهي ولكن لا صبر لي عنه, فهذا لا يعد بذلك كافرا, ولا حكمه حكم الأول؛ فان هذا مطيع من وجه, وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعا بوجه.
يوضحه الوجه التاسع: ان الطاعة والمعصية انما تتعلق بالأمر أصلا, وبالنهي تبعا, فالمطيع ممتثل المأمور, والعاصي تارك المأمور, قال تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم} التحريم 6, وقال موسى لأخيه: {ما منعك اذ رأيتهم ضلوا * ألاّ تتبعن أفعصيت أمري} طه 92 93.
وقال عمرو بن العاص عند موته: أنا الذي أمرتني فعصيت, ولكن لا اله الا أنت.
وقال الشاعر:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني