فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 246

وقال أبو هاشم وغيره: بل المطلوب عدم الفعل, ولهذا يحصل المقصود من بقائه على العدم, وان لم يخطر بباله فعل, فضلا أن يقصد الكف عنه, ولو كان المطلوب الكف لكان عاصيا اذ لم يأت به, ولأن الناس يمدحون بعدم فعل القبيح من لم يخطر بباله فعله والكف عنه. وهذا أحد قولي القاضي أبي بكر ( صاحب كتاب اعجاز القرآن) ولأجله التزم ان عدم الفعل مقدور للعبد وداخل تحت الكسب, قال: والمقصود بالنهي الابقاء على العدم الأصلي وهو مقدور.

وقالت طائفة: المطلوب بالنهي فعل الضد فانه هو المقدور وهو المقصود للناهي, فانه انما نهاه عن الفاحشة طلبا للعفة وهي المأمور بها, ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور به, وعن الكذب طلبا للصدوق المأمور به وهكذا جميع المنهيات. فعند هؤلاء أن حقيقة النهي الطلب لضد المنهي عنه, فعاد الأمر الى أن الطلب انما تعلق بفعل المأمور.

والتحقيق أن المطلوب نوعان: مطلوب لنفسه وهو المأمور به, ومطلوب اعدامه لمضدته المأمور به وهو المنهي عنه, لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به. فاذا لم يخطر بباله المكلف ولا دعته نفسه اليه بل استمر على العدم الأصلي لم يثب على تركه, وان خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيارا أثيب على كف نفسه وامتناعه, فانه فعل وجودي.

والثواب انما يقع على الأمر الوجودي دون العدم المحض وان تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا, فهذا وان لم يعاقب عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وارادته الجازمة التي انما تخلف مرادها عجزا.

وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت الى ما خالفه, كقوله تعالى: { وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء} البقرة 284.

وقوله في كاتم الشهادة: { فانه آثم قلبه} البقرة283, وقوله: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} البقرة225, وقوله: { يوم تبلى السرائر} الطارق 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت