فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 246

وسر المسألة أن وجود ما طلب ايجاده أحب اليه من عدم ما طلب اعدامه, وعدم ما أحبه أكره اليه من وجود ما يبغضه, فمحبته لفعل ما أمر به أعظم من كراهته لفعل ما نهى عنه.

يوضحه الوجه السابع عشر: ان فعل ما يحبه والاعانة عليه وجزاءه وما يترتب عليه من المدح والثناء من رحمته. وفعل ما يكرهه وجزاءه وما يترتب عليه من الذم والألم والعقاب من غضبه. ورحمته سابقة على غضبه غالبة له, وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب, فانه لا يكون الا رحيما, ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره واحسانه, فيستحيل أن يكون على خلاف ذلك. وليس كذلك غضبه, فانه ليس من لوازم ذاته ولا يكون غضبان دائما غضبا لا يتصور انفكاكه, بل يقول رسله وأعلم الخلق به يوم القيامة:"ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعد مثله"جزء من حديث أخرجه البخاري في تاب الأنبياء باب قول الله عز وجل {ولقد أرسلنا نوحا الى قومه} 6\428 رقم 3340, ومسلم في الايمان 1\184 رقم 327 من حديث أبو هريرة عن الرسول . ورحمته وسعت كل شيء, وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب, ووسع كل شيء رحمة وعلما ولم يسع كل شيء غضبا وانتقاما.

فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب وما كان منه وآثاره. فوجود ما كان بالرحمة أحب اليه من وجود ما كان من لوازم الغضب. ولهذا كانت الرحمة أحب اليه من العذاب, والعفو أحب اليه من الانتقام. فوجود محبوبه أحب اليه من فوات مكروهه, ولا سيما اذا كان في فوات المكروه فوات ما يحبه من لوازمه, فانه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما يكره وجود ذلك الملزوم المكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت