فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 246

والمقصود أن هذا الفرح الذي لا فرح يشبهه بفعل مأمور التوبة يدل على أن هذا المأمور أحب اليه من فوات المحظور الذي تفوت به التوبة وأثرها ومقتضاها.

فان قيل: انما الفرح بالتوبة لأنها ترك المنهى فكان الفرح بالترك, قيل: ليس كذلك, فان الترك المحض لا يوجب هذا الفرح بل ولا الثواب ولا المدح. وليست التوبة تركا, وان كان الترك من لوازمها, وانما هي فعل وجودي يتضمن اقبال التائب على ربه وانابته اليه والتزام طاعته. ومن لوازم ذلك ترك ما نهى عنه, ولهذا قال الله تعالى: { وأن استغفروا ربّكم ثم توبوا اليه} هود3. فالتوبة رجوع عما يكره الىما يحب, فان من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع عنه الى ما يحبه الرب تعالى لم يكن تائبا, فالتوبة رجوع واقبال وانابة لا ترك محض.

الوجه العشرون: ان المأمور به اذا فات فاتت الحياة المطلوبة للعبد, وهي التي قال الله تعالى فيها: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم} الأنفال 24, وقال: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلتا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات} الأنعام 122, وقال في حق الكفار: { أموات غير أحياء} النحل 21, وقال: { انك لا تسمع الموتى} النحل 8.

وأما المنهي عنه فاذا وجد فغايته أن يوجد المرض, وحياة مع السقم خير من موت.

فان قيل: ومن المنهي عنه ما يوجب الهلاك وهو الشرك.

قيل: الهلاك انما حصل بعدم التوحيد المأمور به الذي به الحياة, فلما فقد حصل الهلاك, فما هلك الا من عدم اتيانه بالمأمور به.

وهذا وجه حاد وعشرون في المسألة: وهو أن في المأمورات ما يوجب فواته الهلاك والشقاء الدائم, وليس في المنهيات ما يقتضي ذلك.

الوجه الثاني والعشرون: ان فعل المأمور يقتضي ترك المنهي عنه اذا فعل على وجهه من الاخلاص والمتابعة والنصح لله فيه, قال تعالى: { ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} العنكبوت 45. ومجرد ترك المنهي لا يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت