فهرس الكتاب
ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات, ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى, ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه, فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه, والا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه. لأنه مع اختياره لنفسه, ومتى صح تفويضه ورضاه, اكتنفه في المقدور والعطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه, فعطفه يقيه ما يحذره, ولطفه يهوّن عليه ما قدره.
اذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده, فلا أنفع له من الاستسلام والقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميتة, فان السبع لا يرضى بأكل الجيف.
[ 80] شروط الانتفاع بالايمان والعلم
لا ينتفع بنعمة الله بالايمان والعلم الا من عرف نفسه, ووقف بها عند قدرها, ولم يتجاوزه الى ما ليس له, ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي, وتيقّن أنه لله ومن الله وبالله, فهو المان به ابتداء وادامة بلا سبب من العبد ولا استحقاق منه, فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها خيرا البتّة, وأن الخير الذي وصل اليه فهو لله وبه ومنه, فتحدث له النعم ذلا وانكسارا عجيبا لا يعبر عنه.
فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلا وانكسارا ومحبة وخوف ورجاء, وهذا نتيجة علمين شريفين: علمه بربه وكماله وبره وغناه وجوده واحسانه ورحمته, وأن الخير كله في يديه, وهو ملكه يؤتي منه من يشاء ويمنع من يشاء. وله الحمد على هذا, وهذا أكمل حمد وأتمه. وعلمه بنفسه ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها, وأنها لا خير فيها البتة ولا لها ولا بها ولا منها, وأنها ليس لها من ذاتها الا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص, فما فيها من الخير تابع لوجودها الذي ليس اليها ولا بها.