فهرس الكتاب
منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وان شق عليه في الابتداء, لأم عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح وان كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضرعليه من ارتكاب النهي وان هويته نفسه ومالت اليه, فان عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب, وخاصية العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير, واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ الى غاياتها, والعاقل الكيّس دائما ينظر الى الغايات من وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة. فيرى المناهي كطعام لذيذ قد خلط به سم قاتل, فكلما دعته لذته الى تناوله نهاه ما فيه من السم. ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مفضى الى العافية والشفاء, وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله أمره نفعه بالتناول. ولكن هذا يحتاج الى فضل علم تدرك به الغايات من مبادئها, وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمّا مشقة الطريق لما يؤمل عند الغاية, فاذل فقد اليقين والصبر تعذّر عليه ذلك, واذا قوي يقينه وصبره هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم واللذة الدائمة.
ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض الى من يعلم عواقب الأمور, والرضا بما يختاره له ويقضيه له, لما يرجو فيه من حسن العاقبة.
ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم, فلعل مضرّته وهلاكه فيه وهو لا يعلم, فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك.
ومنها: أنه اذا فوَّض أمره الى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر, وصرف عنه الآفات, التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه, وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل الى بعضه, بما يختاره هو لنفسه.