فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 246

وللشجاعة حد متى جاوزته صار تهوّرا, ومتى نقصت عنه صار جبنا وخورا, وحدها الاقدام في مواضع الاقدام, والاحجام في مواضع الاحجام, كما قال معاوية لعمرو بن العاص: أعياني أن أعرف أشجاعا أنت أم جبانا تقدم حتى أقول من أشجع الناس, وتجبن حتى أقول من أجبن الناس, فقال:

شجاع اذا أمكنتني فرصة فان لم تكن لي فرصة فجبان

والغيرة لها حد اذا جاوزته صارت تهمة وظنا سيئا بالبرئ, واذا قصّرت عنه كانت تغاقلا ومبادئ دياثة.

وللواضع حد اذا جاوزه كان ذلا ومهانة, ومن قصر عنه انحرف الى الكبر والفخر.

وللعز حد اذا جاوزه كان كبرا وخلقا مذموما, وان قصر عنه انحرف الى الذل والمهانة.

وضابط هذا كله العدل, وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الافراط والتفريط, وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة, بل لا تقوم مصلحة البدن الا به. فانه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك. وكذلك الأفعال الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والجماع والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك, اذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وان انحرفت الى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا.

فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود, ولا سيما حدود الشرع المأمور والمنهي. فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود, حتى لا يدخل فيها ما ليس منها ولا يخرج منها ما هو داخل فيها. قال تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} التوبة 97. فأعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلا, وبالله التوفيق.

[83] (فصل)

قال أبو الدرداء رضي الله عنه:"يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم, والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترّين". وهذا من جواهر الكلام, وأدله على كمال فقه الصحابة, وتقدمهم على من بعدهم في كل خير, رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت