فهرس الكتاب
فاعلم أن العبد انما قطع منازل السير الى الله بقلبه وهمته لا ببدنه. والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح. قال تعالى: { ذلك ومن يعظّم شعائر الله فانها من تقوى القلوب} الحج32, وقال: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ينالها التقوى منكم} الحج37, وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"التقوى هاهنا"وأشار الى صدره, مسلم في كتاب البر والصلة والآداب 4\1986 رقم32. فالكيّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة, وعلو الهمة, وتجريد القصد, وصحة النية مع العمل القليل, أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق. فان العزيمة والمحبة تذهب المشقة, وتطيب السير, والتقدم والسبق الى الله سبحانه انما هو بالهمم, وصدق الرغبة والعزيمة, فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل, فان ساواه في همته تقدم عليه بعمله, وهذا موضع يحتاج الى تفصيل يوافق فيه الاسلام الاحسان.
فأكمل الهدي هدي رسول الله, وكان موفيا كل واحد منهما حقه, فكان مع كماله وارادته وأحواله مع الله يقوم حتى ترم قدماه, ويصوم حتى يقال لا يفطر, ويجاهد في سبيل الله, ويخالط أصحابه ولا يحتجب عنهم, ولا يترك شيئا من النوافل والأوراد لتلك الواردات التي تعجز عن حملها قوى البشر.
والله تعالى أمر عباده أن يقوموا بشرائع الاسلام على ظواهرهم وحقائق الايمان على بواطنهم, ولا يقبل واحدا منهما الا بصاحبه وقرينه. وفي المسند مرفوعا:"الاسلام علانية والايمان في القلب"3\134. فكل اسلام ظاهر لا ينفذ صاحبه منه الى حقيقة الايمان الباطنة فليس بنافع حتى يكون معه شيء من الايمان الباطن, وكل حقيقة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الاسلام الظاهرة لا تنفع ولو كانت ما كانت. فلو تمزق القلب بالمحبة والخوف ولم يتعبّد الأمر وظاهر الشرع لم ينجّه ذلك من النار. كما أنه لو قام بظواهر الاسلام ولي في باطنه حقيقة الايمان ولم ينجّه من النار.