فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 246

واذا عرف هذا, فالصادقون السائرون الى الله والدار الآخرة قسمان:

قسم صرفوا ما فضل من أوقاتهم بعد الفرائض الى النوافل البدنية وجعلوها دأبهم من غير حرص منهم على تحقيق أعمال القلوب ومنازل أحكامها, وان لم يكونوا خالين من أصلها ولكن هممهم مصروفة الى الاستكثار من الأعمال.

وقسم صرفوا ما فضل من الفرائض والسنن الى الاهتمام بصلاح قلوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عليه وحفظ الخواطر والارادات معه. وجعلوا قوة تعبّدهم بأعمال القلوب من تصحيح المحبة, والخوف والرجاء والتوكل والانابة ورأوا أن أيسر نصيب من الواردات التي ترد على قلوبهم من الله أحب اليهم من كثير من التطوعات البدنية, فاذا حصل لأحدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو انكسار وذل, لم يستبدل به شيئا سواه البتة, الا أن يجيء الأمر فيبادر اليه بذلك الوارد ان أمكنه, والا بادر الى الأمر ولو ذهب الوارد.

فاذا جاءت النوافل فهاهنا معترك التردد, فان أمكن القيام اليها به فذاك, والا نظر في الأرجح والأحي الى الله, هل هو القيام الى تلك النافلة ولو ذهب وارده كاغاثة الملهوف وارشاد ضال وجبر مكسور واستفادة وايمان ونحو ذلك, فهاهنا ينبغي تقديم النافلة الراجحة, ومتى قدمها لله رغبة فيه وتقرّبا اليه فانه يرد عليه ما فات من وارده أقوى مما كان في وقت آخر, وان كان الوارد أرجح من النافلة فالحزم له الاستمرار في وارده حتى يتوارى عنه فانه يفوت والنافلة لا تفوت.

وهذا موضع يحتاج الى فضل فقه في الطريق ومراتب الأعمال وتقديم الأهم منها فالأهم, والله الموفق لذلك لا اله غيره ولا رب سواه.

[84] الأخلاق المحمودة والأخلاق المذمومة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت