فهرس الكتاب
المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة, فمن فقدهما تعذّر عليه الوصول اليه, فان الهمة اذا مانت عالية تعلقت به وحده دون غيره. واذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة اليه, فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب, فاذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة اليه كان الوصول غايته. واذا كانت همته سافلة تعلّقت بالسفليات ولم تتعلّق بالمطلب الأعلى. واذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقه غير موصلة اليه. فمدار الشأن على همة العبد ونيته هما مطلوبه وطريقه لا يتم الا بترك ثلاثة أشياء:
(الأول) : العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثها الناس.
(الثاني) : هجر العوائق التي تعوقه عن افراد مطلوبه وطريقه وقطعها.
(الثالث) : قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعليق بالمطلوب (وكأنه يشير رحمه الله الى تجرد المسلم عن كل عوائق الدنيا, وعلائق القلب وقبل ذلك بعه عن كل البدع والخرافاتالتي أحدثها الناس, وما أكثرها في زماننا) والفرق بينهما أن العوائق هي الحوادث الخارجية, والعلائق هي التعلقات القلبية بالمباحات ونحوها. وأصل ذلك ترك الفضول التي تشغل عن المقصود من الطعام والشراب والمنام والخلطة, فيأخذ من ذلك ما يعينه على طلبه ويرفض منه ما يقطعه عنه أو يضعف طلبه, والله المستعان.
[86] (فصل)
من حكم ابن مسعود رضي الله عنه
من كلام عبدالله بن مسعود رضي الله عنه, قال رجل عنده: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين, أحب أن أكون من المقربين, فقال عبدالله: لكن هاهنا رجل ودّ أنه اذا مات لم يبعث. يعني نفسه.
وخرج ذات يوم فاتبعه ناس فقال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا لا, ولكن أردنا أن نمشي معك, قال: ارجعوا, فانه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.