فهرس الكتاب
وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين, والظلم عندهم هو وضع الشيء في غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له, وهذا قد نزّه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه كقوله تعالى في سورة يونس الآية 44: { ان الله لا يظلم شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} ., وهو سبحانه وان ضلّ من شاء, وقضى بالمعصية وألغى من شاء, فذلك محض العدل فيه, لأنه وضع الاضلال والخذلان في موضعه اللائق به,وكيفلاومن أسمائه الحسنى العدل., الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق, وهو سبحانه قد أوضح السبل, وأرسل الرسل, وأنزل الكتاب, وأزاح العلل, ومكّن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول, وهذا عدله, ووفّق من يشاء بمزيد عناية, وأراد من نفسه أن يعينه ويوفّقه, فهذا فضله, وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله, وخلى بينه وبين نفسه, ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفّقه, فقطع عنه فضله, ولم يحرمه عدله. وهذا نوعان:
(أحدهما) ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه, وايثاره عدوه في الطاعة, والموافقة عليه, وتناسي ذكره وشكره, فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه.
(ثانيهما) أن لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية, ولا يشكره عليه,ولا يثني عليه بها,ولا يحبه, فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله.
قال تعالى: { وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله أعلم بالشاكرين} الأنعام 53, وقال: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم } الأنفال22.
فاذا قضى بهذه النفوس بالضلال والمعصية, كان ذلك محض العدل, كما قضى على الحيّة بأن تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور, وكان ذلك عدل فيه, وان كان مخلوقا على هذه الصفة. وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا القضاء والقدر, اسمه"شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل."