فهرس الكتاب
المحبّون اذا خربت منازل أحبّائهم قالوا: سقيا لسكانها. وكذلك المحب اذا أتت عليه الأعوام تحت التراب ذكر حينئذ حسن طاعته له في الدنيا وتودده اليه وتجد رحمته وسقياه لمن كان ساكما في تلك الأجسام البالية.
[19] فائدة
الغيرة نوعان
الغيرة غيرتان: غيرة على الشيء وغيرة من الشيء, فالغيرة على المحبوب حرصك عليه, والغيرة من المكروه أن يزاحمك عليه. فالغيرة على المحبوب لا تتم الا بالغيرة من المزاحم, وهذه تحمد حيث يكون المحبوب تقبح المشاركة في حبه كالمخلوق, وأما من تحسن المشاركة في حبه كالرسول والعالم بل الحبيب القريب سبحانه وتعالى فلا يتصوّر غيرة المزاحمة عليه بل هو حسد.
والغيرة المحمودة في حقه أن يغار المحب على محبته له أن يصرفها الى غيره, أو يغار عليها أن يطلع عليها الغير فيفسدها عليه, أو يغار على أعماله أن يكون فيها شيء لغير محبوبه, أو يغار عليها أن يشوبها ما يكره محبوبه من رياء أو اعجاب أو محبة لاشراف غيره عليها أو غيبته عن شهود منته عليها فيها.
وبالجملة, فغيرته يقيضي أن تكون أحواله وأعماله وأفعاله كلها لله. وكذلكبغار على أوقاته أ، يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه, فهذه الغيرة من جهة العبد وهي غيرة من المزاحم له المعوق القاطع له عن مرضاة محبوبه.
وأما غيرة محبوبه عليه فهي كراهية أن ينصرف قلبه عن محبته الى محبة غيره, بحيث يشاركه في حبه, ولهذا كانت غيرة الله أن يأتي العبد ما حرّم عليه, ولأجل غيرته سبحانه حرّم الفاحشة ما ظهر منها وما بطنِ؛ لأن الخلق عبيده واماؤه, فهو يغار على امئه كما يغار السيد على جواريه, ولله المثل الأعلى. ويغار على عبيده أن تكون محبتهم لغيره, بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور ونيل الفاحشة منها.
*من عشق وقار الله في قلبه أن يعصيه, وقّره الله في قلوب الخلق أن يذلّوه.