فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 246

ماذا يملك من أمره من ناصيته بيد الله ونفسه بيده,"وقلبه بين اصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء"جزء من حديث صحيح أخرجه مسلم في القدر برقم 2654 عن عبدالله بن عمرو بن العاص, ونصّه:"ان قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء". وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله باذنه ومشيئته. فلا يتحرك الا باذنه, ولايفعل الا بمشيئته.

ان وكله الى نفسه وكله الى عجز وضيعة, وتفريط وذنب وخطيئة. وان وكله الى غيره, وكله الى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وان تخلى عنه استولى عليه عدوّه وجعله أسيرا له. فهو لا غنى له عنه طرفة عين, بل هو مضطر اليه على مدى الأنفاس في كل ذرة من ذراته ظاهرا وباطنا, فاقته تامة اليه. ومع ذلك فهو مختلف عنه معرض عنه, يتبغض اليه بمعصيته, مع شدة الضرورة اليه من كل وجه, قد صار لذكره نسيا, واتخذه وراءه ظهريا, هذا واليه مرجعه وبين يديه موقفه.

فرغ خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك, فان الرزق والأجل قرينان مضمزنان. فما دام الأجل باقيا, كان الرزق آتيا واذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه, فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه. فتأمّل حال الجنين يأتيه غذاؤه, وهو الدم, من طريق واحدة وهو السرّة (الحبل السرّي) , فلما خرج من بطن الأم, وانقطعت تلك الطريق, فتح له طريقين اثنين وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول, لبنا خالطا سائغا. فاذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا أربع أكمل منها: طعامان وشرابان, فالطعامان من الحيوان والنبات, والشرابان من المياه والألبان وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ. فاذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة. لكنه سبحانه فتح له -ان كان سعيدا- طرقا ثمانية, وهي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت