فهرس الكتاب
علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون اليها الناس بأقوالهم ويدعونهم الى النار بأفعالهم, فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا: قالت أفعالهم:لا تسمعوا منهم. فلو كان ما دعوا اليه حقا كانوا أول المستجيبين له, فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطّاع طرق. اذا كان الله وحده حظك ومرادك فالفضل كله تابع لك يزدلف اليك, أي أنواعه تبدأ به, واذا كان حظك ما تنال منه, فالفضل موقوف عنك لأنه بيده تابع له, فعل من أفعاله, فاذا حصل لك, حصل لك الفضل بطريق الضمن والتبع, واذا كان الفضل مقصودك, لم يحصل الله بطريق الضمن والتبع, فان كنت قد عرفته, وأنست به, ثم سقطت الى طلب الفضل, حرمك اياه عقوبة لك ففاتك الله وفاتك الفضل.
[35] صبر الرسول صلى الله عليه وسلم وانتصاره
لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصر العدو دخل في حصر النصر, فبعثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف, فطار ذكره في الآفاق, فصار الخلق معه ثلاثة أقسام:
مؤمن به, ومسالم له, وخائف منه. ألقى الصبر في مزرعة: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} الأحقاف 35, فاذا أغصان النبات تهتز بخزامى: {والحرمات قصاص} البقرة 194.
فدخل مكة دخولا ما دخله أحدا قبله ولا بعده, حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم الا الحدق.
والصحابة على مراتبهم, والملائكة فوق رؤوسهم, وجبريل يتردد بينه وبين ربه, وقد أباح له حرمه الذي لم يحله لأحد سواه, فلما قايس بين هذا اليوم وبين يوم: { واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} الأنفال30, فأخرجوه ثاني اثنين. دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت اليه فيه الخليقة رؤوسها ومدت اليه الملوك أعناقها. فدخل مكة مؤيدا منصورا.